محمد مدبولي.. رسام حوّل رصيف مترو المعادي إلى معرض مفتوح
محمد مدبولي.. فنان وجد مرسمه بين المارة في المعادي
في القاهرة، حيث يمر الناس مسرعين بين العمل والدراسة والمشاوير اليومية، قد تتحول لحظة عابرة على رصيف مترو إلى لقاء غير متوقع مع الفن. هذا ما يفعله الفنان المصري محمد مدبولي، الذي صار حضوره اليومي في محيط محطة مترو المعادي لافتًا للأنظار، بعدما اختار أن يرسم في مساحة مفتوحة أمام الناس، بعيدًا عن القاعات المغلقة والفعاليات الرسمية.
القصة التي أثارت اهتمام كثيرين في مصر خلال الأيام الماضية لا تتعلق فقط برجل يرسم في الشارع، بل بفنان تمسّك بموهبته لسنوات طويلة، رغم أنه لم يكمل طريقه الأكاديمي في دراسة الفنون كما كان يتمنى. ومع تداول صوره ومقاطع ظهوره على منصات التواصل، عاد اسمه إلى الواجهة بوصفه نموذجًا لفنان مصري اختار أن يجعل من الرصيف مساحة للتعبير والتعليم والمشاركة.
شهرة متأخرة.. لكن الحلم لم يتوقف
بحسب ما نشره موقع القاهرة 24 خلال الأسبوع الماضي، فإن محمد مدبولي، وهو في العقد السادس من عمره، يواصل الرسم يوميًا أمام محطة مترو المعادي، ويستمد موضوعات لوحاته من مشاهد الحياة اليومية في الشارع والمواقف التي يراها حوله. كما أشار التقرير إلى أن علاقته بالفن بدأت منذ الصغر، وأنه لم يتخلّ عن الرسم رغم تعثر حلم الدراسة المتخصصة في وقت مبكر من حياته.
هذا الظهور المتأخر إعلاميًا لا يبدو منفصلًا عن طبيعة التجربة نفسها؛ فالرجل لم ينتظر منصة كبرى كي يقدّم نفسه، بل صنع جمهوره من المارة وركاب المترو وسكان المعادي. وفي هذا تكمن خصوصية قصته: فالفن هنا لا يذهب إلى الناس عبر إعلان أو تذكرة دخول، بل يلتقيهم مباشرة في الطريق اليومي.
لماذا تبدو محطة المعادي مكانًا مثاليًا لهذه الحكاية؟
تحتل محطة المعادي موقعًا مهمًا على الخط الأول لمترو القاهرة الممتد من حلوان إلى المرج الجديدة، وهو ما يجعلها واحدة من المحطات الحيوية التي تشهد حركة مستمرة للركاب على مدار اليوم. ووفق الصفحة الرسمية لمحافظة القاهرة الخاصة بخطوط المترو ومحطاته، فإن محطة المعادي مدرجة ضمن محطات الخط الأول بين ثكنات المعادي وحدائق المعادي، في مسار يخدم شريحة واسعة من سكان القاهرة الكبرى. وآخر تحديث ظاهر على الصفحة الرسمية يعود إلى 8 سبتمبر 2024.
وجود فنان على هذا الرصيف تحديدًا يمنح التجربة بعدًا مختلفًا. فالمكان ليس ساحة ثقافية تقليدية، بل نقطة عبور يومية تجمع موظفين وطلابًا وأسرًا وعمالًا. لذلك يصبح الرسم في هذا السياق نوعًا من استعادة المساحة العامة لصالح الجمال، حتى لو لعدة دقائق بين قطارين.
من الرصيف إلى الجمهور.. كيف يتحول الفن إلى فعل يومي؟
اللافت في تجربة محمد مدبولي أنها لا تتوقف عند إنتاج اللوحات فقط، بل تمتد إلى التفاعل المباشر مع المارة. في مثل هذه الحالات، يصبح الفنان أقرب إلى معلم في الهواء الطلق؛ يشرح، ويعرض، ويتيح للناس الاقتراب من أدواته وطريقته في العمل. هذه العلاقة الإنسانية تضيف قيمة مختلفة عن مجرد مشاهدة لوحة معلقة على جدار.
وفي مدينة كبيرة مثل القاهرة، يكتسب هذا النوع من الحضور معنى خاصًا. فالكثير من المواهب التشكيلية في مصر لا تجد دائمًا طريقًا سهلًا إلى المعارض أو المؤسسات الفنية، سواء بسبب التكلفة أو محدودية الفرص أو تعقيدات المشهد المهني. لذلك، يمكن قراءة ما يفعله مدبولي باعتباره شكلًا من أشكال الإصرار الشخصي على استمرار الممارسة الفنية، حتى من دون بنية دعم كاملة.
ما الذي يميز قصة محمد مدبولي لدى الجمهور المصري؟
- التمسك بالموهبة: استمر في الرسم رغم عدم استكمال الدراسة الأكاديمية التي كان يحلم بها.
- الحضور اليومي: اختار الانتظام في مكان ثابت تقريبًا، ما صنع ألفة بينه وبين سكان المنطقة ورواد المترو.
- بساطة الوصول: جمهوره ليس نخبة محددة، بل الناس في طريقهم العادي إلى أعمالهم ومنازلهم.
- الطابع المحلي: القصة مصرية خالصة، تدور في قلب المعادي وعلى رصيف من أرصفة النقل العام في القاهرة.
الفن خارج القاعات.. هل يفتح الرصيف بابًا جديدًا؟
التجربة تطرح سؤالًا مهمًا عن علاقة الفن بالمدينة. فهل يحتاج الفنان دائمًا إلى قاعة عرض لكي يُرى؟ أم أن الشارع نفسه يمكن أن يؤدي هذا الدور حين تتوافر الموهبة والاستمرارية؟ في حالة محمد مدبولي، يبدو أن الرصيف لعب دور المعرض المفتوح، بينما تولى المارة مهمة الجمهور والنقاد في الوقت نفسه.
هذا لا يلغي أهمية المؤسسات الثقافية والمعارض بالطبع، لكنه يذكّر بأن الفن يمكن أن يبدأ من مساحة أصغر بكثير: ركن على الرصيف، حامل لوحات، وأدوات رسم، وفنان يعرف جيدًا لماذا لا يريد أن يتوقف. وربما لهذا السبب لامست حكايته قطاعًا واسعًا من المتابعين في مصر؛ لأنها تتجاوز الرسم نفسه إلى معنى أوسع يتعلق بالأمل المؤجل، والنجاح الذي قد يأتي متأخرًا، لكنه يظل ممكنًا.
المعادي كخلفية للمشهد
اختيار المعادي ليس تفصيلًا عابرًا. فالحي معروف بطابعه المختلف نسبيًا داخل القاهرة، وبحضور الشوارع الهادئة نسبيًا والأشجار والحركة اليومية المختلطة بين السكن والعمل والخدمات. ومع وجود محطة مترو تخدم أعدادًا كبيرة من الركاب، يصبح المشهد أكثر قابلية لأن يتحول إلى نقطة التقاء بين الحياة اليومية والفن البصري.
وهنا تتجلى قيمة القصة بالنسبة لقسم فن مصري: نحن أمام فنان مصري، في مكان مصري واضح ومحدد، يصنع أثره من داخل الشارع المحلي نفسه، لا من حدث خارجي أو ترند عابر منفصل عن السياق المصري.
هل يتحقق حلم المعرض أخيرًا؟
الاهتمام الذي حظي به محمد مدبولي مؤخرًا قد يفتح الباب أمام خطوة كان يتمناها منذ سنوات، وهي الوصول إلى مساحة عرض أوسع تليق بتجربته وتمنح لوحاته فرصة أكبر للانتشار. لكن حتى إن حدث ذلك، ستبقى خصوصية حكايته مرتبطة بتلك البداية اليومية على رصيف مترو المعادي، حيث اختار أن يضع فنه في متناول الجميع بلا حواجز.
في النهاية، لا تبدو قصة محمد مدبولي مجرد واقعة إنسانية لطيفة، بل مشهدًا مكثفًا من مصر نفسها: مدينة مزدحمة، وحلم قديم، وفنان لم يغادره الرسم يومًا، فحوّل مكان العبور إلى مساحة للتأمل. وبين ضجيج القطارات وخطوات المارة، يثبت هذا الفنان أن اللوحة يمكن أن تولد في أي مكان، وأن الاعتراف قد يتأخر، لكنه لا يضيع دائمًا.