المازيكاتي

معهد إدوارد سعيد ينقل الموسيقى إلى أطفال غزة في مراكز النزوح

الموسيقى كمساحة نجاة داخل مراكز الإيواء

في وقتٍ باتت فيه تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة محكومة بالنزوح المتكرر والخوف وانقطاع الدراسة، تحاول المبادرات الفنية أن تفتح للأطفال نافذة مختلفة، ولو لساعات قليلة. ومن بين أبرز هذه المبادرات، يواصل معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى العمل على الوصول إلى الأطفال داخل مراكز الإيواء والخيام، عبر أنشطة موسيقية وتعليمية تستهدف تخفيف الضغط النفسي وإعادة شيء من الإيقاع الطبيعي إلى يومهم.

الفكرة الأساسية لا تقوم فقط على تعليم النغم أو الغناء، بل على استخدام الموسيقى كوسيلة دعم نفسي واجتماعي في بيئة فقد فيها الأطفال المدرسة، والحي، وأحيانًا الآلات نفسها. ومع تحوّل عدد كبير من المدارس في غزة إلى مراكز لإيواء النازحين، صار الوصول إلى الأطفال في أماكن تجمعهم هو الخيار العملي والإنساني الأوضح، بدل انتظار عودتهم إلى مؤسسات التعليم والثقافة.

معهد عريق يواصل دوره رغم الدمار

يحمل معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى مكانة معروفة في المشهد الثقافي الفلسطيني، إذ يعمل في أكثر من موقع داخل فلسطين ويُعنى بتدريس الموسيقى الكلاسيكية والشرقية وتخريج أجيال من العازفين والمغنين. لكن الحرب طالت البنية الثقافية أيضًا، ولم تكن المؤسسات الموسيقية بمنأى عن الخسائر. وفي شهادة منشورة في مصر خلال أبريل 2025، قالت منال عواد، مديرة المعهد في غزة، إن مقر المعهد في القطاع تعرّض للتدمير، وإن أجزاء كبيرة منه وآلاته الموسيقية ومعداته تضررت بفعل الحرب.

هذه الخسارة لم توقف الفكرة نفسها. فبدل أن يتجمّد النشاط، اتجه القائمون على المعهد إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على الوصول الميداني للأطفال، سواء داخل غزة أو حتى مع الأطفال النازحين إلى مصر، حيث ظهر اسم جوقة غزة وجوقة سلام لغزة في فعاليات فنية لاحقة. هذا الامتداد يوضح أن المشروع الموسيقي لم يعد مرتبطًا بمبنى، بل بشبكة معلمين وموسيقيين يسعون إلى إبقاء الصلة قائمة بين الطفل والفن.

لماذا تبدو الموسيقى مهمة الآن؟

في السياق الغزّي الحالي، لا تُقرأ الموسيقى بوصفها نشاطًا ترفيهيًا فقط. الأرقام المنشورة من منظمات أممية تُظهر حجم الانقطاع الذي أصاب التعليم والحياة الاجتماعية للأطفال. فقد أفادت اليونيسف في 21 نوفمبر 2024 بأن 658 ألف طفل حُرموا من عام دراسي كامل، بينما تعذّر بدء الدراسة مع استمرار القصف والنزوح، كما أشارت إلى وقوع 64 هجومًا على مدارس تحولت إلى مراكز إيواء خلال أكتوبر 2024. وفي المادة نفسها، أوضحت المنظمة أنها دعمت 39 مساحة تعليم مؤقتة لمحاولة الحد من الفاقد التعليمي.

وفي تحديث أحدث بتاريخ 27 يناير 2026، ذكرت اليونيسف أنها توفّر تعليمًا مؤقتًا لـ135,462 طفلًا في 111 مساحة تعليم مؤقتة داخل قطاع غزة، في حين أشارت إلى أن عدد الأطفال في سن الدراسة في القطاع يبلغ نحو 700 ألف طفل. هذه الأرقام تفسّر لماذا تصبح أي مبادرة فنية أو تعليمية، ولو محدودة، ذات قيمة مضاعفة: لأنها تمنح الطفل روتينًا، وتساعده على التعبير، وتخلق مساحة جماعية آمنة نسبيًا.

من الخيمة إلى الحلقة الموسيقية

المشهد الذي يتكرر في مراكز الإيواء يعتمد غالبًا على جلسات صغيرة تضم أطفالًا من أعمار مختلفة، مع أنشطة غناء جماعي، إيقاع، تعرّف إلى الأصوات، وألعاب موسيقية بسيطة يمكن تنفيذها حتى في غياب التجهيزات الكاملة. هذا النمط يناسب واقع النزوح، حيث لا توجد قاعات مجهزة ولا التزام ثابت بمكان واحد، لكن توجد حاجة واضحة إلى أنشطة تعيد للأطفال الإحساس بالمشاركة والقدرة على التعبير.

كما أن الموسيقى، بخلاف بعض الأنشطة الأخرى، لا تحتاج دائمًا إلى بنية ثقيلة كي تبدأ. يمكن للمدرب أن يعمل بالصوت والتصفيق والإيقاع الجسدي والأغنية الجماعية، قبل الانتقال إلى أي أدوات متاحة. وهنا تتضح أهمية خبرة معلمي المعهد، الذين ينقلون التدريب إلى أماكن وجود الأطفال بدل ربطه بفضاء أكاديمي تقليدي.

الفن كجزء من التعافي النفسي

تقارير الأونروا خلال النصف الثاني من 2024 أظهرت بوضوح أن الأنشطة الداعمة للأطفال داخل المدارس-الملاجئ لم تعد تقتصر على التعلّم الأساسي، بل تشمل أيضًا الفنون والموسيقى والرياضة ضمن برامج الدعم النفسي والاجتماعي. وفي بيانها الصادر في 1 أغسطس 2024 حول برنامج «العودة إلى التعلّم»، قالت الأونروا إن الأطفال في غزة «رأوا ما يكفي من البؤس» وإنهم يحتاجون إلى متنفس وفرح، بينما أوضحت أن المرحلة الأولى من البرنامج توسّع الأنشطة التي تركّز على الفنون والموسيقى والرياضة.

بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو هذا التقاطع مألوفًا؛ فالتجربة الثقافية العربية عمومًا تعرف جيدًا كيف يمكن للأغنية الجماعية والكورال والتمرين الإيقاعي أن يصنعوا حالة تضامن وهوية مشتركة. وفي حالة أطفال غزة، يتحول هذا الدور إلى ما هو أبعد: الموسيقى تصبح وسيلة صمود نفسي، لا مجرد تدريب فني.

حضور امتد إلى القاهرة أيضًا

الملف لم يبقَ محصورًا داخل غزة وحدها. ففي 14 أبريل 2025، شارك أطفال من جوقة غزة في ختام مهرجان الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقدمت منال عواد حينها شرحًا لكيفية تأسيس الجوقة من أطفال نازحين إلى مصر، مع استئناف التدريب بالتعاون مع مدارس ومبادرات تعليمية. كما أشار التقرير نفسه إلى مشاركة الدكتور أحمد سالم، أستاذ الموسيقى في كلية التربية بجامعة عين شمس، في تدريب الكورال وقيادته خلال الفعالية.

هذا الامتداد المصري يحمل قيمة خاصة لجمهور المتابعين في مصر، لأنه يضع القصة في إطار قريب: أطفال خرجوا من قلب الحرب، لكنهم حافظوا على علاقتهم بالموسيقى، ووجدوا على المسار المصري مساحة لمواصلة الغناء والتدريب. ومن هنا، يبدو دور المعهد مزدوجًا: الاستمرار داخل مراكز الإيواء في غزة، والحفاظ على المسار الفني للأطفال الذين نزحوا خارجها.

ما الذي يبقى من الدرس الموسيقي في زمن الحرب؟

قد لا يخرج الطفل من الجلسة الموسيقية وقد أتقن آلة أو حفظ مقامًا كاملًا، لكن المكسب الأهم غالبًا يكون في أشياء أبسط وأكثر إلحاحًا: الانتظام، الإنصات، التعبير، والشعور بأن اليوم لا يتكوّن فقط من أخبار القصف والانتظار. ولهذا تحافظ مثل هذه المبادرات على معناها حتى في أصعب الظروف.

  • تخفيف العزلة: الأنشطة الجماعية تعيد للأطفال الإحساس بالانتماء.
  • تنشيط الذاكرة والانتباه: الغناء والإيقاع يساعدان على التركيز بعد فترات طويلة من التوتر.
  • الدعم النفسي: الموسيقى تمنح مساحة للتفريغ والتعبير غير المباشر عن الخوف والحزن.
  • الحفاظ على الهوية الثقافية: الأغاني الجماعية والتراثية تعيد ربط الطفل ببيئته وذاكرته.

بين الدمار والأمل.. صوت لا ينقطع

قصة تعليم الموسيقى لأطفال غزة داخل مراكز النزوح ليست حكاية عن الترف الثقافي، بل عن الدفاع عن مساحة إنسانية أساسية في حياة الطفل. ومع تدمير مقارّ ومؤسسات، وتحوّل المدارس إلى ملاجئ، يصبح وصول معلمين وموسيقيين إلى الأطفال فعلًا ثقافيًا وإنسانيًا في آن واحد.

ما يفعله معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى اليوم يختصر هذا المعنى بدقة: حين تضيق المساحة، تنتقل الموسيقى إلى حيث يوجد الأطفال. وفي مشهد ثقيل بالأرقام والخسائر، يظل هذا التفصيل الصغير مهمًا؛ لأن الأغنية أحيانًا لا توقف الحرب، لكنها تساعد طفلًا على أن يتذكّر أن حياته أكبر من الحرب نفسها.