المازيكاتي

من التحرير إلى الشارع: كيف يوسّع ميدفست مصر جمهوره؟

بعد انطلاقه في 10 سبتمبر.. ميدفست مصر يراهن على جمهور أوسع من قلب التحرير

منذ انطلاق دورته الثامنة يوم 10 سبتمبر 2026 في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بميدان التحرير، يقدّم مهرجان ميدفست مصر نفسه هذا العام بوصفه أكثر من مجرد منصة لعروض الأفلام القصيرة. المهرجان، الذي تتواصل فعالياته حتى 14 سبتمبر تحت شعار «برة المشهد»، يبني دورته الحالية على فكرة توسيع دائرة المتلقين: ليس فقط داخل قاعات العرض، بل أيضاً في الفضاء العام بوسط القاهرة، عبر فعاليات تمزج المشاهدة بالحركة والاكتشاف الحضري.

هذا التوجّه ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل جزء من تعريف المهرجان لنفسه. فالموقع الرسمي لـميدفست مصر يصفه بأنه مهرجان سينمائي دولي متنقل يربط بين السينما والصحة والقصص الإنسانية، ويعمل على مدار العام كمنصة ثقافية مجتمعية، مع اهتمام بإيصال السينما إلى أماكن لا تتوافر فيها دور عرض تقليدية. وفي الدورة الثامنة، تبدو هذه الفلسفة أكثر وضوحاً عبر اختيار التحرير كنقطة ارتكاز، ثم الانطلاق منها إلى الشارع والجمهور العابر واليومي.

لماذا يحمل التحرير معنى خاصاً لهذه الدورة؟

إقامة المهرجان في AUC Tahrir تمنحه أفضلية تتجاوز الرمز. فالموقع يقع في قلب وسط البلد، قريباً من جمهور متنوع يضم طلبة الجامعة، ورواد وسط القاهرة، ومهتمين بالسينما، وعاملين في المنطقة، وزواراً ينجذبون بطبيعتهم إلى الفعاليات الثقافية المفتوحة. كما أدرجت الجامعة الأمريكية فعالية MedFest Egypt – 8th Edition: Beyond the Scene | بره المشهد على أجندتها الرسمية في الفترة من 10 إلى 14 سبتمبر داخل حرم التحرير، بما يكرّس المهرجان كجزء من الخريطة الثقافية الحية للمنطقة.

وبحسب ما أعلنه المهرجان وتناولته تغطيات صحفية مصرية، فإن الدورة الحالية تضم أكثر من 85 فيلماً قصيراً من أكثر من 25 دولة، موزعة على 11 برنامجاً، بينها 6 برامج مخصّصة للأفلام المتنافسة في المسابقة الرسمية. هذا الحجم البرامجي يعطي للمهرجان ثقلاً فنياً، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليه تحدياً جماهيرياً: كيف يجعل هذا المحتوى الواسع قريباً من غير المتخصصين؟ هنا تحديداً تظهر أهمية الفعاليات الموازية ذات الطابع التفاعلي.

تكريم محمد ممدوح: اختيار فني وإنساني في آن واحد

في حفل الافتتاح، كرّم المهرجان الفنان محمد ممدوح تقديراً لمسيرته الفنية، إلى جانب الدكتور أحمد أبو الوفا، استشاري الطب النفسي ومقدم برنامج صديق القطر، ومحمد سعيد مدير سينما زاوية. هذا الثلاثي يعكس بدقة الهوية التي يريد ميدفست تثبيتها لنفسه: الفن، والصحة النفسية، وإتاحة السينما للجمهور.

اختيار محمد ممدوح في هذه الدورة يبدو منطقياً على أكثر من مستوى. فهو واحد من أبرز ممثلي جيله في مصر، وحضوره على الشاشة ارتبط في السنوات الأخيرة بأدوار كثيفة إنسانياً، تعتمد على التعقيد الداخلي أكثر من الأداء الخارجي المباشر. لذلك فإن تكريمه داخل مهرجان يربط بين السينما والتجارب النفسية والإنسانية لا يبدو مجرد احتفاء بنجم جماهيري، بل انسجاماً مع المشروع الثقافي للمهرجان نفسه.

الأهم أن تكريم ممدوح يمنح الدورة وجهاً معروفاً يسهل التقاطه جماهيرياً وإعلامياً. فالمهرجانات المتخصصة تحتاج دائماً إلى جسر يصل بينها وبين الجمهور الأوسع، وغالباً ما تلعب أسماء النجوم هذا الدور. في حالة ميدفست مصر، يأتي التكريم من دون أن يطغى على الفكرة الأساسية، بل يخدمها: نجم مصري معروف يُستدعى داخل سياق يركّز على الإنسان وما وراء الصورة.

«سينما على الماشي».. حين تخرج الشاشة إلى الشارع

إذا كان التكريم يمنح الدورة بُعدها الجماهيري من ناحية النجومية، فإن فعالية «سينما على الماشي» تمنحها هذا البعد من ناحية التجربة نفسها. الفعالية مُقرّرة يوم الجمعة 11 سبتمبر في وسط البلد، وتقوم على رحلة مشاهدة متحركة تمر عبر شوارع المنطقة، مع عرض 4 أفلام قصيرة من مصر وفرنسا والأرجنتين وإيطاليا على جدران وسط القاهرة، في تجربة تنظمها ميدفست بالتعاون مع الإسماعيلية.

هذه الصيغة تلتقط تحوّلاً مهماً في طريقة استهلاك الفنون داخل المدينة. بدلاً من انتظار المتفرج داخل قاعة مغلقة، تذهب الفعالية إليه في فضاء مألوف: الشارع، الواجهة المعمارية، المشي بين النقاط المختلفة، والانتباه إلى المدينة نفسها بوصفها جزءاً من العرض. ومن هنا تأتي قوة الفكرة؛ فهي لا تعرض أفلاماً فقط، بل تعيد تعريف العلاقة بين المتفرج ووسط البلد والسينما في الوقت نفسه.

وبحسب بيانات الفعاليات المنشورة، تنطلق التجربة عند 7:30 مساءً، مع تأكيد على الحجز المسبق وعدم توافر تذاكر عند الباب. كما أشارت تغطية صحفية مصرية إلى أن سعر التذكرة 750 جنيهاً. ورغم أن السعر يضعها في فئة التجارب الثقافية الخاصة أكثر من كونها عرضاً شعبياً بالمعنى التقليدي، فإن القيمة هنا لا ترتبط بالمشاهدة وحدها، بل بطبيعة الحدث نفسه: سينما متنقلة، ومشي، وعمارة، واكتشاف لوسط القاهرة ليلاً.

ما الذي يضيفه هذا التوسع إلى هوية المهرجان؟

من السهل النظر إلى «سينما على الماشي» باعتبارها فعالية جانبية جذابة، لكن أثرها الحقيقي أعمق من ذلك. هي إعلان واضح بأن ميدفست لا يريد الاكتفاء بجمهور المهرجانات المعتاد. فالموقع الرسمي للمهرجان يشدّد على فكرة إحضار السينما مباشرة إلى المجتمعات وخلق مساحات للحوار، حتى في الأماكن التي لا توجد فيها بنية عرض تقليدية. وفعالية من هذا النوع تمثل ترجمة عملية لهذا التصور داخل قلب القاهرة نفسها.

كذلك، ينسجم هذا المسار مع طبيعة سبتمبر الثقافية في العاصمة، حيث تتداخل الفعاليات الفنية والعروض الحية والأنشطة المسائية في فترة ما بعد ذروة الصيف مباشرة. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار ميدفست جزءاً من مزاج حفلات الصيف المتأخر في القاهرة، ولكن بصيغة سينمائية لا موسيقية: سهرات ليلية، حركة في وسط البلد، وتجربة جماعية خارج القوالب التقليدية. الربط هنا طبيعي لأن الفعالية نفسها تعتمد على الخروج إلى المدينة في أمسية مفتوحة، لا على قاعة مغلقة فحسب.

بين التخصص والانفتاح.. معادلة ميدفست هذا العام

ما يميز الدورة الثامنة أن المهرجان لا يتخلى عن طابعه المتخصص، وفي الوقت نفسه لا ينعزل داخل هذا التخصص. فهناك برامج عروض، ومسابقة رسمية، وتجربة 72 H Film Challenge التي خُصص لها هذا العام عرض للأفلام التي وصلت إلى القائمة القصيرة، بعد تنفيذها خلال 72 ساعة كتابةً وتصويراً ومونتاجاً وتسليماً. كما اختار المهرجان مهرجان هامبورج السينمائي ضيف شرف لبرنامج «بانوراما ميدفست» خارج المسابقة الرسمية.

لكن وسط هذا البناء البرامجي الواضح، لا ينسى ميدفست أن بقاء أي مهرجان في الذاكرة العامة يتطلب لحظات قابلة للالتقاط والانتشار: تكريم فنان محبوب مثل محمد ممدوح، وتجربة حضرية مثل «سينما على الماشي»، وموقع مركزي مثل التحرير. هذه العناصر الثلاثة تصنع معاً ما يمكن وصفه بأنه خطة توسيع حضور جماهيري أكثر منها مجرد تفاصيل مرافقة.

خلاصة المشهد

في دورته التي انطلقت يوم 10 سبتمبر 2026، يثبت مهرجان ميدفست مصر أن التوسع الجماهيري لا يعني التنازل الفني. بالعكس، يمكن لمهرجان معني بالسينما والصحة والإنسان أن يقترب أكثر من الناس حين يختار موقعاً مركزياً مثل ميدان التحرير، ويكرّم فناناً بحجم محمد ممدوح، ثم يغامر بإخراج الشاشة إلى الشارع عبر «سينما على الماشي».

بهذه المعادلة، لا يبقى المهرجان حدثاً يُزار فقط، بل يتحول إلى تجربة تُعاش في المدينة. وربما هنا تحديداً تكمن أهم إضافة للدورة الثامنة: أن ميدفست لا يكتفي بعرض أفلام عن البشر، بل يحاول أن يلتقيهم فعلاً في المكان الذي يعيشون فيه كل يوم، من قلب التحرير إلى شوارع وسط البلد.