المازيكاتي

«من هو الجمهور؟» يفتتح المحور الفكري بمهرجان المسرح

انطلاق المحور الفكري بسؤال قديم متجدد

افتتح المهرجان القومي للمسرح المصري أولى جلسات محوره الفكري في الدورة التاسعة عشرة بندوة حملت عنوان «من هو الجمهور؟»، في خطوة تعكس الرغبة في وضع المتلقي في قلب النقاش المسرحي، لا باعتباره عنصرًا تابعًا للعرض فقط، بل شريكًا أساسيًا في صناعة المعنى واستمرار الحياة فوق الخشبة.

وتقام فعاليات هذا المحور تحت عنوان أوسع هو «المسرح والجمهور: هل يذهب الجمهور إلى المسرح أم يذهب المسرح إلى الجمهور؟»، خلال الفترة من 20 إلى 22 يوليو 2026، ضمن أجندة الدورة الجديدة للمهرجان التي يرأسها الفنان محمد رياض. ويأتي هذا التوجه في لحظة تشهد فيها الساحة الثقافية المصرية أسئلة متزايدة حول أنماط التلقي، وتأثير المنصات الرقمية، وقدرة المسرح على استعادة جمهوره التقليدي وجذب أجيال جديدة.

محمد رياض يراهن على توسيع دائرة التأثير

يحمل اسم الفنان محمد رياض ثقلًا واضحًا في الدورة الحالية، بوصفه رئيسًا للمهرجان، في وقت يسعى فيه الحدث إلى الجمع بين العروض والأنشطة الفكرية والتكريمات. ووفق ما أعلنه المهرجان في تفاصيل دورته التاسعة عشرة، فإن لجنة الندوات تتولى تنظيم هذا المحور برئاسة الناقدة رشا عبد المنعم، وبمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين والمسرحيين، في محاولة للانتقال من تشخيص أزمة علاقة المسرح بالجمهور إلى اقتراح حلول عملية قابلة للتطبيق.

ولا ينفصل هذا النقاش عن الرؤية العامة التي تتحرك بها الدورة الحالية، إذ سبق الإعلان عن إقامة فعالياتها الرسمية في الفترة من 25 يوليو إلى 11 أغسطس 2026 تحت شعار «في كل مصر»، بما يعكس توجهًا لتوسيع الحضور خارج القاهرة، وربط النشاط المسرحي بجمهور المحافظات أيضًا، وهي زاوية مهمة في أي حديث عن إعادة بناء القاعدة الجماهيرية للمسرح.

ماذا ناقشت جلسة «من هو الجمهور؟»؟

الجلسة الافتتاحية التي انطلقت في اليوم الأول من البرنامج البحثي خُصصت لمناقشة التحولات التاريخية والاجتماعية في تكوين جمهور المسرح المصري. الفكرة الأساسية هنا لم تكن مجرد طرح سؤال نظري، بل محاولة رسم خريطة أكثر دقة: من يحضر المسرح اليوم؟ ولماذا يعزف قطاع من الجمهور عن الذهاب إلى العروض؟ وهل نحن أمام جمهور واحد أم جماهير متعددة تختلف حسب العمر، والتعليم، والموقع الجغرافي، ونوع العرض نفسه؟

وبحسب البرنامج المعلن، شارك في هذه الجلسة عدد من المتخصصين، من بينهم د. محمد سمير الخطيب الذي تولى إدارة الجلسة، إلى جانب أبحاث ومداخلات لكل من د. نجوى عانوس، ود. حسام عطا، وعبد الناصر حنفي، ود. فادي نشأت. وتنوعت المحاور المطروحة بين قراءة تاريخية لتحولات الجمهور المصري منذ النصف الأول من القرن العشرين، وتحليل اجتماعي وثقافي لبنية المتلقي، وصولًا إلى مقاربات نقدية تتناول الفجوة بين الخشبة والصالة.

من السؤال النظري إلى أزمة حقيقية

أهمية هذه الجلسة لا ترجع إلى عنوانها فقط، بل إلى أنها تضع يدها على واحدة من أكثر القضايا حساسية في المسرح المصري: كيف يمكن للفن الحي أن يحافظ على حضوره في زمن المنافسة الشرسة مع الشاشات والمنصات ووسائل الترفيه السريعة؟ لذلك يبدو سؤال «من هو الجمهور؟» مدخلًا أوسع لأسئلة أخرى تتعلق بالتسويق، والتعليم الفني، ودور الإعلام، وحتى شكل العروض نفسها.

برنامج فكري يمتد لثلاثة أيام

لا تتوقف فعاليات المحور الفكري عند الجلسة الأولى، بل تمتد إلى سلسلة من الجلسات البحثية والمائدات المستديرة على مدار ثلاثة أيام. ويتضمن البرنامج موضوعات مثل:

  • الوصول إلى الجمهور وما يرتبط به من تحديات البنية الأساسية والظروف الاقتصادية والتسويق.
  • دور النقد والإعلام في صناعة الجمهور وتأثير التغطية الصحفية والخطاب النقدي على تشكيل الذائقة.
  • طبيعة جمهور المسارح النوعية مثل مسرح الطفل والعرائس والمسرح المدرسي والجامعي.
  • المهرجانات وصناعة الجمهور وكيف يمكن للفعاليات الكبرى أن تستقطب شرائح جديدة.
  • صيغ مسرحية جديدة للعلاقة بالجمهور مثل المسرح التفاعلي والعروض في الفضاءات غير التقليدية.
  • نحو سياسة ثقافية لبناء الجمهور عبر توصيات عملية واستراتيجيات مستقبلية.

هذا التنوع يمنح البرنامج بعدًا تطبيقيًا، خصوصًا أن المهرجان لا يطرح النقاش من زاوية أكاديمية خالصة، بل يحاول ربطه بخبرة الممارسين وتجاربهم على الأرض.

الدورة 19.. تكريمات وعروض ورؤية أوسع

تأتي هذه الندوات ضمن دورة تحمل زخمًا واضحًا قبل انطلاق العروض رسميًا. فخلال الأيام الأخيرة، أعلن المهرجان تكريم عدد من الأسماء البارزة في المسرح المصري، من بينهم إسعاد يونس، وأحمد عبد العزيز، وأحمد ماهر، ومجدي مجاهد، والدكتور حمدي الجابري. ويمنح هذا المسار التكريمي الدورة الحالية بعدًا احتفائيًا يوازي بعدها الفكري.

كما أُعلن أيضًا اختيار وليد عوني لإخراج حفل افتتاح الدورة التاسعة عشرة، وهو اختيار لافت بالنظر إلى تاريخه في المسرح الاستعراضي والرقص المسرحي الحديث، ما يفتح التوقعات أمام افتتاح بصري مختلف يليق بواحد من أهم الأحداث المسرحية الرسمية في مصر.

ومن الأرقام اللافتة المرتبطة بالدورة الحالية، ما كشفه محمد رياض عن أن الميزانية المخصصة للمهرجان تبلغ 4.1 مليون جنيه، بينما تتجاوز القيمة الفعلية لما يقدمه من عروض وفعاليات وخدمات 30 مليون جنيه، وهو ما يوضح حجم الجهد التنظيمي المبذول لإخراج الحدث بصورة كبيرة رغم القيود المالية.

لماذا يهم هذا الخبر جمهور الفن في مصر؟

رغم أن الحدث ينتمي في ظاهره إلى المشهد المسرحي، فإن أهميته تمتد إلى مساحة أوسع داخل قطاع الموسيقى والمشاهير، لأن المهرجانات الفنية الكبرى في مصر لم تعد مجرد مناسبات للعروض أو التكريمات، بل أصبحت منصات لقياس نبض الجمهور نفسه. من هنا، فإن مناقشة علاقة الفنان بالمتلقي، ودور النجوم في جذب الحضور، وكيفية تحويل الفعاليات الثقافية إلى حدث جماهيري، كلها قضايا تمس صناع الترفيه والفن بشكل مباشر.

وفي السياق المصري، تبدو هذه المناقشات أكثر إلحاحًا مع سعي المؤسسات الثقافية إلى استعادة الجمهور الشاب، وتقديم المسرح بوصفه تجربة معاصرة قادرة على التفاعل مع الواقع اليومي، لا مجرد فن نخبوي محدود الحضور.

خلاصة المشهد

بندوة «من هو الجمهور؟» وضع المهرجان القومي للمسرح المصري سؤال العلاقة بين الفنان والمتلقي على طاولة النقاش من اللحظة الأولى. وإذا كان نجاح أي مهرجان يُقاس عادة بعدد العروض أو أسماء المكرمين، فإن الدورة التاسعة عشرة تبدو راغبة في إضافة معيار آخر: القدرة على فهم الجمهور نفسه، واستعادته، وتوسيع حضوره في المشهد الثقافي المصري.

وبين الرهان على الفكر، والانفتاح على المحافظات، والاستعانة بأسماء فنية معروفة في الإدارة والتكريم والافتتاح، تبدو الدورة الحالية محاولة جادة لإعادة تقديم المسرح المصري ليس فقط كفن عريق، بل كحدث حي يريد أن يبقى قريبًا من الناس.