مهرجان أرابيسك في مونبيلييه.. منصة أوروبية كبرى للموسيقى العربية
مهرجان أرابيسك في مونبيلييه.. كيف تحوّل إلى واجهة أوروبية للموسيقى العربية؟
في وقت تتسع فيه مساحة حضور الموسيقى العربية على المسارح الدولية، يبرز مهرجان أرابيسك في مدينة مونبيلييه بجنوب فرنسا كواحد من أهم المواعيد الثقافية التي تضع هذه الموسيقى في قلب المشهد الأوروبي. المهرجان، الذي تنظمه جمعية UNi’SONS منذ عام 2006، لم يعد مجرد سلسلة حفلات، بل بات منصة واسعة تلتقي فيها الأصوات العربية المخضرمة مع التجارب الجديدة، ضمن برنامج يحتفي بالتنوع ويخاطب جمهورًا متعدد الخلفيات.
وبحسب بيانات مدينة مونبيلييه والجهات المنظمة، أقيمت الدورة الحادية والعشرون من المهرجان في الفترة من 8 إلى 20 سبتمبر 2026، موزعة على عدد من أبرز فضاءات المدينة الثقافية، بينها دومين دُو وأوبرا كوميدي وهال تروبيسم ومسرح جان-كلود كاريير. هذا الانتشار داخل المدينة يعكس مكانة الحدث الذي تقدمه مونبيلييه بوصفه أحد أكبر المهرجانات الأوروبية المخصصة لفنون العالم العربي.
منصة تتجاوز الحفلات إلى حوار ثقافي أوسع
ما يميز أرابيسك بالنسبة إلى جمهور الموسيقى في مصر والعالم العربي أنه لا يكتفي بتقديم الغناء والموسيقى فقط، بل يطرح تصورًا أوسع للفن العربي المعاصر. برنامج الدورة الحادية والعشرين ضم حفلات موسيقية، وستاند أب كوميدي، وعروضًا أدبية، ولقاءات فكرية، إلى جانب فعاليات مفتوحة للجمهور في ما يعرف بـالمدينة داخل موقع المهرجان، مع منصات مجانية وأركان للكتب والمنتجات الثقافية.
ووفقًا للموقع الرسمي للمهرجان ومصادر مدينة مونبيلييه، استقبل أرابيسك عبر سنواته أكثر من عشرين عامًا أعدادًا كبيرة من الزوار، فيما أشارت حصيلة دورة 2026 إلى 54 فعالية بينها 36 حدثًا مجانيًا، مع حضور تجاوز 65 ألف متفرج، من بينهم 7500 طالب، وبزيادة تخطت 15% مقارنة بالدورات السابقة. هذه الأرقام تمنح فكرة واضحة عن حجم التأثير الذي بات يصنعه المهرجان داخل فرنسا وخارجها.
أسماء لامعة تقود المشهد الموسيقي في الدورة 21
الدورة الأخيرة راهنت بقوة على الأسماء اللامعة في المشهد العربي والمتوسطي، إلى جانب الوجوه الجديدة. من أبرز المشاركات كانت الفنانة اللبنانية ياسمين حمدان، التي ظهرت ضمن برنامج 18 سبتمبر 2026 في مسرح جان-كلود كاريير، كما حضرت الفنانة الجزائرية سعاد ماسي في حفل ختامي يوم 20 سبتمبر 2026 على مسرح أمفي دُو. كما ضمت البرمجة أسماء مثل أنور براهم وإميل مثلوثي وكاميليا جوردانا وزينة الداودية وإينو الدار البيضاء، إلى جانب تجارب تمزج الجاز والإلكترونيك والموروث الشعبي.
وبالنسبة للقارئ المصري، تكمن جاذبية هذا المشهد في أن المهرجان لا يقدم الموسيقى العربية بوصفها تراثًا جامدًا، بل كمساحة مفتوحة للتطوير والتجريب. هذا واضح في العروض التي جمعت بين الإيقاعات التقليدية والجاز العالمي والموسيقى الإلكترونية، وكذلك في مشاركة فرق ومشروعات عابرة للحدود من المغرب وتونس ولبنان وفلسطين والسعودية ومصر وفرنسا.
حضور مصري داخل منتدى الموسيقى الجديد
من أهم الإضافات في نسخة 2026 إطلاق Arabesques Music Forum للمرة الأولى، وهو مسار مهني جديد نُظم ضمن موسم المتوسط 2026 بدعم من المعهد الفرنسي. المنتدى جمع نحو 100 فاعل ثقافي من عدة دول متوسطية وعربية، وقدم على مدار 3 أيام عروضًا قصيرة ونقاشات مهنية ركزت على مستقبل الصناعة الموسيقية العربية، مع مشاركة تشكيلات فنية من بينها مشروع Too Fuse من مصر.
هذه النقطة مهمة للغاية لأن الحديث هنا لا يدور فقط عن حفلات للجمهور، بل عن سوق مهنية وفرص حقيقية للتواصل بين الفنانين والمنتجين ومديري المهرجانات. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة أرابيسك باعتباره نافذة عملية للفنان العربي الراغب في الوصول إلى أوروبا، لا مجرد حدث احتفالي عابر.
أين تقام الفعاليات وما أسعار بعض العروض؟
ركزت الفعاليات الأساسية على دومين دُو (@domainedo على إنستغرام)، وهو من أشهر الفضاءات الثقافية في مونبيلييه، ويضم مسرحًا يتسع لما بين 600 و1200 مقعد، إضافة إلى أمفي مفتوح يتسع لنحو 1800 متفرج. كما انتقلت بعض العروض إلى أوبرا كوميدي وهال تروبيسم، ما منح البرمجة تنوعًا في الطابع بين الحفلات الكبرى والعروض الأكثر حميمية.
أما على مستوى الأسعار، فتظهر صفحات الحجز الرسمية الخاصة بالعروض تدرجًا بحسب طبيعة الفعالية. فعرض ياسمين حمدان سُعره الكامل بلغ 23 يورو، بينما وصل سعر الحضور الكامل لحفل زينة الداودية إلى 29 يورو، في حين بلغ السعر الكامل لعرض الكوميديان المغربي أمين الراضي 35 يورو. كما وفر المهرجان أسعارًا مخفضة للشباب والطلاب ومن هم دون 25 عامًا، إضافة إلى بعض الفعاليات المجانية داخل فضاء المهرجان.
نجوم عرب على مسرح أوروبي واسع
من اللافت أن أرابيسك نجح في ترسيخ صورته بوصفه جسرًا بين الجمهور الأوروبي والنجوم العرب. فالمهرجان استضاف عبر تاريخه أسماء ثقيلة مثل سعاد ماسي وياسمين حمدان وظافر يوسف وأميل المثلوثي ونجلاء عطابو والثلاثي جبران ومارسيل خليفة. وهذه الاستمرارية تمنح الحدث وزنًا خاصًا، خصوصًا في مرحلة تتزايد فيها شهية المؤسسات الأوروبية لبرمجة أعمال عربية معاصرة تتجاوز القوالب النمطية.
ولأن جمهور مصر يتابع باهتمام مسارات الفنانين العرب خارج المنطقة، فإن أرابيسك يقدم نموذجًا يستحق التوقف عنده: مهرجان يضع الموسيقى العربية في موقع الندّية الفنية، لا في خانة الفولكلور فقط. هنا تظهر قيمة مشاركة فنانات مثل ياسمين حمدان وسعاد ماسي في برمجة حديثة، إلى جانب أصوات صاعدة وتجارب هجينة تعكس تحولات الذائقة العربية نفسها.
لماذا يهم هذا الحدث جمهور الموسيقى في مصر؟
رغم أن المهرجان يقام في فرنسا، فإن دلالته تتجاوز الجغرافيا. فوجود مشروع مصري ضمن المنتدى المهني، إلى جانب الانفتاح على موسيقى المغرب العربي وبلاد الشام ومشهد الجاز العربي، يعكس كيف أصبحت الموسيقى العربية المعاصرة تتحرك عبر دوائر إنتاج وعرض جديدة. بالنسبة للفنانين المصريين، تفتح هذه المنصات أسئلة مهمة حول التوزيع الدولي، والشراكات الفنية، وكيفية تقديم الصوت المحلي إلى جمهور عالمي دون فقدان هويته.
كما أن نجاح مهرجان مثل أرابيسك يرسل رسالة واضحة: هناك جمهور أوروبي واسع ومؤسسات ثقافية كبرى مستعدة للاستماع إلى الموسيقى العربية عندما تُقدَّم باحترافية وبرمجة ذكية. لهذا لا يبدو غريبًا أن تصف مونبيلييه المهرجان بأنه أحد أعمدتها الثقافية المتوسطية، ولا أن يواصل توسعه عامًا بعد آخر.
أبرز ملامح مهرجان أرابيسك 2026
- التاريخ: من 8 إلى 20 سبتمبر 2026.
- المكان: مونبيلييه في جنوب فرنسا.
- الدورة: الحادية والعشرون.
- أهم الفضاءات: Domaine d’O، Opéra Comédie، Halle Tropisme، Théâtre Jean-Claude Carrière.
- عدد الفعاليات: 54 فعالية، بينها 36 مجانية.
- الحضور: أكثر من 65 ألف متفرج، بينهم 7500 طالب.
- أبرز المشاركين: ياسمين حمدان، سعاد ماسي، زينة الداودية، كاميليا جوردانا، إميل مثلوثي، أنور براهم.
- إضافة جديدة: إطلاق Arabesques Music Forum بمشاركة مهنية من دول عربية ومتوسطية، بينها مصر.
في المحصلة، يثبت مهرجان أرابيسك أن الموسيقى العربية قادرة على صناعة مساحة نفوذ ثقافي حقيقية في أوروبا، ليس فقط عبر الحنين إلى التراث، بل أيضًا من خلال الأصوات الجديدة والتحالفات الفنية العابرة للحدود. وبالنسبة إلى المتابع المصري، فالمهرجان يستحق الرصد لأنه يقدم صورة معاصرة ومؤثرة عن أين تقف الموسيقى العربية اليوم، وإلى أين يمكن أن تذهب غدًا.