المازيكاتي

مهرجان الإسماعيلية 26: كيف تستعد المدينة لمسرح مفتوح؟

قبل 10 أكتوبر: الإسماعيلية تجهز المدينة لمهرجان يبدأ من الشارع

تدخل محافظة الإسماعيلية الأيام الأخيرة قبل انطلاق الدورة السادسة والعشرين من مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية، المقرر إقامتها من 10 إلى 16 أكتوبر 2026، في لحظة تبدو فيها المدينة كلها طرفًا في العرض، لا مجرد مستضيف له. الجديد هذا العام ليس فقط عودة الفرق العربية والأجنبية، بل الرهان الواضح على تحويل الفضاء العام نفسه إلى ساحة احتفال مفتوحة، تبدأ من شارع محمد علي أمام ديوان عام المحافظة، حيث ينطلق الديفيليه الافتتاحي يوم السبت 10 أكتوبر الساعة الرابعة عصرًا، قبل الافتتاح الرسمي في 11 أكتوبر بقصر ثقافة الإسماعيلية.

هذا الترتيب يوضح فلسفة المهرجان منذ اللحظة الأولى: البداية ليست داخل قاعة مغلقة، بل في الشارع، أمام الجمهور العابر وسكان المدينة وزوارها. وهي صيغة تتماشى مع طبيعة الفنون الشعبية نفسها، بوصفها فنونًا وُلدت من الناس وعاشت بينهم، لا فوق المسرح فقط.

ما الذي نعرفه مؤكدًا عن الدورة 26؟

وفق ما أعلنته الجهات المنظمة، تقام الدورة الجديدة بالتعاون بين وزارة الثقافة ومحافظة الإسماعيلية، مع مشاركة فرق تراثية من 10 دول عربية وأجنبية، إلى جانب فرق مصرية متعددة. ومن بين الدول التي ورد تأكيد مشاركتها: روسيا، تنزانيا، الجزائر، السودان، لبنان، الأردن، فلسطين، إندونيسيا، رومانيا، والهند. وعلى الجانب المصري، تشارك فرق تابعة لهيئة قصور الثقافة، من بينها أسوان، ملوي، كفر الشيخ، الحرية بالإسكندرية، العريش، وأطفال الإسماعيلية، بالإضافة إلى فرق من ذوي الهمم.

كما تتوزع العروض داخل المدينة على أكثر من موقع، تشمل قصر ثقافة الإسماعيلية وحديقة الشيخ زايد والدنفاة ونادي الأسرة ونقابة المهندسين، مع امتداد الفعاليات إلى مراكز أخرى مثل القنطرة غرب وفايد والقصاصين. هذا الانتشار الجغرافي مهم لأنه ينقل المهرجان من فكرة “الحدث المركزي” إلى فكرة “المدينة المضيفة” بكل أحيائها ونقاطها الحيوية.

فرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية في قلب الصورة

إذا كان المهرجان حدثًا دوليًا، فإن فرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية تبقى واجهته المحلية الأكثر تعبيرًا عن هوية المكان. الفرقة، التابعة لفرع ثقافة الإسماعيلية، لا تدخل هذه الدورة من موقع المشاركة الروتينية، بل من موقع الفرقة التي تحمل ملامح المدينة نفسها: تراث القناة، حياة الصيادين، وإيقاع السمسمية. وفي أحدث مشاركة دولية لها، مثلت مصر في مهرجان Surajkund الدولي بالهند خلال الفترة من 31 يناير إلى 15 فبراير 2026، ضمن بعثة ترأسها الفنان ماهر كمال، مدير الفرقة ومستشار محافظ الإسماعيلية للثقافة والفنون.

المشاركة الهندية تكشف أيضًا طبيعة البرنامج الذي يمكن أن تبني عليه الفرقة حضورها في دورة هذا العام؛ إذ قدمت هناك لوحات مثل الصيادين والضمة الإسماعيلاوي والبحري والمعالق ويا حمام، إلى جانب لوحات من التراث المصري الأوسع مثل الصعيدي والتنورة والملاية. هذا المزيج بين المحلي والوطني هو بالضبط ما يجعلها مناسبة لافتتاح شارع كامل على الجمهور: هي فرقة تتكلم بلهجة الإسماعيلية، لكنها مفهومة بصريًا لكل جمهور مصري.

لماذا تبدو الفرقة مؤهلة لقيادة مشهد الشارع؟

لأن عروضها مرتبطة أصلًا بمفردات المدينة. في تقارير سابقة عن نشاط الفرقة، حضرت أغانٍ وعروض مستلهمة من بيئة القناة مثل أنا واد صياد من بحري وإسماعيلية ياللي هواكي ونوح الحمام، كما ظلت آلة السمسمية عنصرًا ثابتًا في المزاج السمعي المصاحب لعروضها. وعندما تنزل هذه العناصر إلى الشارع، فإنها لا تبدو دخيلة على المكان؛ بل كأن المدينة تستعيد صوتها وصورتها في وقت واحد.

استعدادات المحافظة: التنظيم يبدأ قبل الرقص

التحضير للمهرجان لا يقتصر على البروفات الفنية. فقد أعلنت محافظة الإسماعيلية بالفعل فتح باب التطوع لطلاب وخريجي الجامعات للمشاركة في تنظيم فعاليات الدورة 26، ثم بدأت المقابلات الشخصية لاختيار المتطوعين لمرافقة الوفود الفنية المشاركة. هذه الخطوة مهمة عمليًا ورمزيًا: عمليًا لأنها توفر دعمًا لوجستيًا للوفود والانتقالات والتنظيم، ورمزيًا لأنها تجعل أبناء المدينة شركاء مباشرين في صناعة الحدث.

بالتوازي، تحدثت تقارير محلية عن رفع درجة الاستعداد بالمحافظة مع اقتراب موعد الانطلاق، وهي إشارة إلى أن المهرجان يتداخل هنا مع صورة الإسماعيلية نفسها في أسبوع حساس ومزدحم، خصوصًا أنه يتزامن مع ذروة احتفالات العيد القومي للمحافظة التي تبلغ ذروتها في 16 أكتوبر. هذا التزامن يمنح الدورة الحالية طابعًا خاصًا؛ فالمهرجان ليس فعالية منفصلة عن المدينة، بل جزء من روزنامة هويتها العامة واحتفالها بذاتها.

من الشارع إلى المسارح: كيف تتحول الإسماعيلية إلى مسرح مفتوح؟

فكرة “المسرح المفتوح” هنا ليست مجازًا صحفيًا فقط. عندما يبدأ المهرجان بديفيليه في الشارع، ثم تتوزع العروض على حدائق وأندية ومواقع ثقافية ومراكز خارج قلب المدينة، فإن الشكل العام يصبح أقرب إلى شبكة عروض حية. الجمهور لن يكون مضطرًا دائمًا للذهاب إلى مسرح واحد؛ بل سيجد الفنون الشعبية تقترب منه في أكثر من نقطة، وهو ما يرفع فرص الحضور العائلي والسياحي والشبابي.

هذا مهم أيضًا ضمن زاوية حفلات الصيف التي ما زالت تمتد تحريريًا إلى مواسم الفعاليات المفتوحة في المحافظات الساحلية والقناة. صحيح أن المهرجان يقام في أكتوبر، لكنه يحتفظ بروح الفعاليات الخارجية التي تعتمد على الهواء الطلق والتجمعات الجماهيرية والعرض الحي في الفضاء العام، وهي السمات نفسها التي صنعت جاذبية حفلات ومهرجانات الصيف في مصر هذا العام. الفرق هنا أن الإسماعيلية تقدم النسخة التراثية من هذا الزخم: لا نجوم غناء منفردون في الصدارة، بل فرق ورقصات وأزياء وموسيقى شعبية تعيد تعريف المتعة الجماهيرية من بوابة التراث.

ما الذي ينتظره جمهور الإسماعيلية من الدورة الجديدة؟

  • ديفيليه افتتاحي يعيد الشارع إلى الواجهة بوصفه أول مسرح للمهرجان.
  • حضور مصري واضح عبر فرق المحافظات، وليس فقط الفرق الدولية.
  • بصمة إسماعيلاوية تقودها فرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية بإرث السمسمية ولوحات القناة.
  • انتشار مكاني واسع للعروض داخل المدينة وخارجها إلى القنطرة غرب وفايد والقصاصين.
  • تزامن رمزي وجماهيري مع احتفالات العيد القومي للمحافظة في 16 أكتوبر.

الرهان الحقيقي: أن يرى الناس تراثهم حيًا

أهمية مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية في دورته السادسة والعشرين لا تختصرها قائمة الدول المشاركة أو عدد المواقع المستضيفة فقط، بل تكمن في سؤال أبسط: هل تستطيع المدينة أن تجعل جمهورها يرى التراث باعتباره حياة معاصرة وليست مجرد ذكرى؟ المؤشرات المتاحة حتى الآن تقول إن الإجابة تميل إلى نعم. هناك مسار افتتاحي في الشارع، وفرقة محلية تملك لغة بصرية وموسيقية متجذرة، وانتشار للعروض في أكثر من موقع، وحشد تنظيمي يبدأ من المتطوعين ولا ينتهي عند المؤسسات الثقافية.

لهذا تبدو دورة 2026 أقرب إلى اختبار ناجح لفكرة أن الفنون الشعبية المصرية ما زالت قادرة على ملء الشوارع بالحضور والدهشة. وإذا نجحت فرقة الإسماعيلية في توظيف رصيدها من لوحات الصيادين والضمة والبحري وارتباطها العضوي بإيقاع السمسمية، فستكون المدينة بالفعل قد أنجزت ما يعد به عنوان المهرجان كل عام: تحويل الإسماعيلية، ولو لأسبوع، إلى مسرح مفتوح يرى فيه الناس أنفسهم وتراثهم على الهواء مباشرة.