المازيكاتي

نجوم على بوسترات مهرجان القاهرة السينمائي عبر الدورات

بوسترات مهرجان القاهرة السينمائي.. حين تتحول الذاكرة المصرية إلى صورة

لم تكن الملصقات الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي عبر تاريخه الطويل مجرد مواد دعائية تعلن موعد العروض والندوات، بل صارت جزءًا من الحكاية نفسها؛ فكل بوستر يعكس مزاج دورة بعينها، ويكشف كيف يريد المهرجان أن يقدّم نفسه بصريًا إلى الجمهور المصري والعربي. ومع الجدل الذي صاحب بوستر الدورة السابعة والأربعين في أكتوبر 2026، عاد الاهتمام مرة أخرى إلى الطريقة التي استحضر بها المهرجان نجوم الشاشة المصرية على بوستراته في دورات سابقة.

مهرجان القاهرة السينمائي، المقام سنويًا في دار الأوبرا المصرية، تأسس عام 1976 ويُعد أقدم مهرجان سينمائي دولي في العالم العربي، كما يقدَّم رسميًا بوصفه المهرجان الوحيد في المنطقة العربية والأفريقية المصنّف ضمن الفئة الأولى «A» من الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام. وفي عام 2026 يصل المهرجان إلى دورته الـ47، بالتزامن مع مرور 50 عامًا على انطلاقه.

فاتن حمامة.. بوستر حمل معنى التكريم أكثر من الزينة

من أبرز المحطات التي لا تزال حاضرة في ذاكرة جمهور المهرجان اختيار صورة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة لتتصدر بوستر الدورة السابعة والثلاثين عام 2015. وقتها لم يكن الأمر مجرد استعانة بصورة نجمة كبيرة، بل جاء ضمن مسار تكريمي أوسع شمل إطلاق جائزة سنوية باسمها، إلى جانب إعداد كتاب عن مشوارها الفني وعرض مختارات من أعمالها خلال الفعاليات.

وبحسب ما نُشر آنذاك، صمّم الفنان ياسر السكري البوستر مع اتجاه واضح للحفاظ على بساطة الصورة بحيث يتعرف عليها المشاهد فورًا، وهو ما منح الملصق طابعًا وجدانيًا قريبًا من الجمهور في مصر. كما رافق الدورة نفسها برنامج لاستعادة عدد من أفلام فاتن حمامة، من بينها صراع في الوادي ودعاء الكروان ونهر الحب وإمبراطورية ميم وأريد حلاً.

هذا الحضور لم يكن منفصلًا عن مكانة فاتن حمامة في وجدان السينما المصرية؛ فالمهرجان في تلك الدورة بدا كأنه يقول إن هوية الشاشة المصرية يمكن اختصارها أحيانًا في ملامح نجمة واحدة. كما أن الاختيار جاء بعد رحيلها في يناير 2015، لذلك اكتسب البوستر معنى الوداع والاحتفاء معًا.

شادية في الدورة 47.. تكريم بصري أثار نقاشًا واسعًا

في المقابل، جاء بوستر الدورة السابعة والأربعين لعام 2026 ليستعيد اسمًا مصريًا كبيرًا آخر هو شادية، لكن بصورة مختلفة تمامًا. الملصق استلهم شخصية فؤادة التي قدمتها النجمة الراحلة في فيلم شيء من الخوف، إلا أن الجدل انطلق سريعًا بسبب ما تردد عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في معالجة الصورة أو تصميمها، وهو ما اعتبره بعض النقاد والمتابعين ابتعادًا عن الملامح الأيقونية المعروفة للفنانة.

اللافت هنا أن الاعتراض لم يكن على اختيار شادية نفسها، بل على الكيفية الفنية التي ظهرت بها. تقارير صحفية مصرية أشارت إلى أن الانتقادات انصبت على أن المعالجة الرقمية غيّرت الإحساس الكلاسيكي المرتبط بصورة شادية في ذاكرة المشاهد. وهكذا تحوّل البوستر من مجرد إعلان بصري إلى موضوع نقاش ثقافي أوسع: هل يجوز توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي عند استدعاء رموز السينما المصرية، أم أن هذا النوع من التكريم يحتاج إلى حسّ تراثي أكثر تحفظًا؟

ومهما اختلفت الآراء، فإن اختيار شادية يؤكد استمرار المهرجان في استخدام وجوه النجوم الكبار باعتبارها اختصارًا لتاريخ السينما المصرية، وهي فكرة أثبتت حضورها أكثر من مرة عبر العقود.

من الرمز الفرعوني إلى الوجوه السينمائية

إذا عدنا إلى تاريخ بوسترات مهرجان القاهرة السينمائي، سنجد أن المدرسة البصرية للمهرجان لم تعتمد دائمًا على النجوم. كثير من الدورات المبكرة فضّلت الرموز العامة المرتبطة بمصر والسينما، مثل التكوينات المستوحاة من الفن الفرعوني أو شرائط الفيلم والعناصر التجريدية، بما يعكس رغبة في تقديم المهرجان كحدث دولي تتجاوز هويته حدود النجم الواحد. لكن في محطات معينة، وخاصة حين يتعلق الأمر بأسماء بحجم فاتن حمامة أو شادية، يصبح الوجه نفسه رسالة وهوية بصرية مكتملة.

هذه النقلة من الرمز العام إلى النجم الفردي تكشف شيئًا مهمًا عن علاقة المهرجان بجمهوره في مصر: فحين يضع صورة فنانة كبيرة على البوستر، فهو لا يروّج فقط لدورة جديدة، بل يستدعي رصيدًا عاطفيًا ومعرفيًا يربط الأجيال بتاريخ السينما المحلية. ولهذا بدا بوستر فاتن حمامة ناجحًا لدى قطاعات واسعة، بينما فُتح الجدل بقوة مع بوستر شادية لأن الجمهور يعرف الملامح الأصلية جيدًا ويقارنها فورًا بما يراه.

ما الذي نعرفه عن الدورة 47 حتى الآن؟

بعيدًا عن الجدل البصري، فإن الدورة السابعة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي ستقام من 11 إلى 20 نوفمبر 2026 في القاهرة، وفق الموقع الرسمي للمهرجان. كما أعلن المهرجان في بياناته أن هذه الدورة تأتي ضمن احتفال مرور نصف قرن على انطلاقه منذ 1976. ويرأس المهرجان الفنان حسين فهمي (@hussien.fahmi.official على إنستغرام)، بينما يتولى الناقد محمد طارق الإدارة الفنية.

وأحدث ما أُعلن حتى الآن أن الدورة الجديدة تضم 145 فيلمًا من 64 دولة، مع 17 عرضًا عالميًا أول و5 عروض دولية أولى و87 عرضًا أول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما تلقى المهرجان نحو 5600 طلب مشاركة، بينها 2100 فيلم طويل و3500 فيلم قصير. هذه الأرقام تعكس حجم الحدث هذا العام، وتوضح أن الجدل حول البوستر لم يطغَ تمامًا على الثقل البرامجي للدورة.

ومن بين الأسماء التي أُعلن تكريمها في هذه الدورة، الفنان آسر ياسين، الحاصل على جائزة فاتن حمامة للتميز، في استمرار واضح للصلة الرمزية بين اسم فاتن حمامة والمهرجان منذ تأسيس الجائزة عام 2015. كذلك يواصل المهرجان التوسع في برامجه المهنية مثل أيام القاهرة لصناعة السينما وبرنامج New Wave الموجّه للشباب داخل مصر.

لماذا تبقى البوسترات جزءًا من خبر المهرجان؟

في المهرجانات الكبرى، قد يبدو البوستر تفصيلًا ثانويًا أمام قوائم الأفلام والجوائز والضيوف، لكن التجربة المصرية تقول غير ذلك. بوستر مهرجان القاهرة السينمائي غالبًا ما يتحول إلى مفتاح مبكر لفهم مزاج الدورة: هل تميل إلى الاحتفاء بالتراث؟ هل تراهن على الحداثة؟ هل تنحاز إلى الرمز الوطني أم إلى النجم؟ ومن هنا اكتسبت ملصقات مثل فاتن حمامة وشادية كل هذا الزخم الإعلامي والجماهيري.

وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو المسألة أبعد من التصميم الجرافيكي. نحن أمام ذاكرة بصرية لحدث فني مصري كبير، ينعقد في دار الأوبرا المصرية ويخاطب جمهورًا يعرف تمامًا قيمة الأسماء التي تظهر على هذه البوسترات. لذلك، كل مرة يختار فيها المهرجان نجمة أو نجمًا من تاريخنا السينمائي، فهو يدخل تلقائيًا في حوار مع الجمهور حول معنى التكريم وحدود التجديد وكيفية صون صورة الرموز.

  • أبرز بوستر تكريمي في الذاكرة الحديثة: فاتن حمامة في الدورة 37 عام 2015.
  • أكثر بوستر أثار جدلًا مؤخرًا: شادية في الدورة 47 لعام 2026 بسبب معالجة الصورة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
  • موعد الدورة 47: من 11 إلى 20 نوفمبر 2026 في القاهرة.
  • حجم البرنامج المعلن: 145 فيلمًا من 64 دولة.

الخلاصة أن بوسترات مهرجان القاهرة السينمائي لم تعد مجرد هوامش شكلية؛ إنها صفحات موازية من تاريخ السينما المصرية. وبين رومانسية حضور فاتن حمامة، والجدل الذي أحاط باستعادة شادية، يواصل المهرجان كتابة تاريخه ليس فقط على الشاشة، بل أيضًا على جدار المدينة وفي ذاكرة جمهورها.