ندوة «رد الجميل» تستعيد سيرة سعد أردش في القاهرة التجريبي
ندوة في القاهرة تعيد قراءة إرث سعد أردش
شهدت فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثالثة والثلاثين، المقامة في القاهرة خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026، ندوة خاصة بعنوان «رد الجميل» خُصصت لاستعادة سيرة المخرج والمفكر المسرحي الراحل سعد أردش، أحد الأسماء المؤسسة في تاريخ المسرح المصري والعربي. وتأتي الندوة ضمن البرنامج الفكري للمهرجان الذي يُقام هذا العام برئاسة الدكتور سامح مهران، مع استمرار الرهان على الحوار بين التجارب المصرية والعربية والدولية في فنون المسرح.
الندوة لم تتعامل مع اسم سعد أردش بوصفه مجرد محطة من الماضي، بل باعتباره شخصية ما زال تأثيرها حاضرًا في مناهج التدريس المسرحي، وفي تصور أجيال من المسرحيين لفكرة التجريب، وفي العلاقة بين الخشبة والواقع الاجتماعي. ولهذا بدت جلسة «رد الجميل» أقرب إلى لحظة اعتراف جماعي بقيمة رجل لعب أدوارًا متداخلة: مخرجًا، وأستاذًا أكاديميًا، وإداريًا ثقافيًا، وصاحب مشروع فكري ترك أثره داخل مصر وخارجها.
من شارك في الندوة؟
بحسب ما أعلنته التغطيات الثقافية المصرية، أدار الندوة الدكتور مدحت الكاشف، وشارك فيها كل من الدكتورة رانيا فتح الله، والدكتور محمد زعيمة، والدكتور أيمن الشيوي. وقدمت المداخلات شهادات متقاطعة عن سعد أردش، من زاوية الأستاذ الذي صنع تلاميذ، والمخرج الذي راهن على التحديث، والإنسان الذي ارتبط اسمه بالانضباط والصرامة الفكرية مع تقدير كبير لقيمة الفن ودوره الاجتماعي.
وتكسب هذه الأسماء المشاركة وزنًا خاصًا داخل الوسط المسرحي المصري، لأن كثيرًا من شهاداتها لم يأتِ من مسافة نقدية باردة، بل من خبرات مباشرة ومعايشة طويلة. لذلك ركزت الكلمات على طريقته في التعليم والإشراف الأكاديمي، وعلى رؤيته التي كانت تربط المسرح بالتحولات السياسية والاجتماعية، وهي زاوية تساعد على فهم لماذا ظل اسمه حاضرًا كلما طُرحت أسئلة التجريب المسرحي في مصر والعالم العربي.
لماذا يحتفظ سعد أردش بهذه المكانة؟
سعد أردش ليس اسمًا عابرًا في تاريخ المسرح المصري. فهو من أبرز رواد الحركة المسرحية الحديثة، كما ارتبط اسمه بتأسيس مسرح الجيب في ستينيات القرن الماضي، وهو المسرح الذي لعب دورًا مهمًا في فتح الباب أمام العروض الطليعية والتجريبية. كذلك تشير المصادر الثقافية المصرية إلى أنه عاد إلى مصر متأثرًا بتجارب المسرح الأوروبي الحديث، وخصوصًا أفكار برتولت بريخت، ثم عمل على تقديمها ضمن سياق عربي ومصري، بدل الاكتفاء بنقلها بشكل حرفي.
ومن النقاط المفصلية في سيرته أيضًا، اختياره في عام 1986 كأول مدير لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وهو ما يفسر رمزية الاحتفاء به داخل المهرجان نفسه. فالعلاقة هنا ليست تكريمًا لاسم كبير فقط، بل استعادة لأحد الوجوه التي أسهمت مبكرًا في صياغة هوية هذا الحدث الثقافي الذي أصبح، منذ انطلاق دورته الأولى عام 1988، منصة معروفة عربيًا ودوليًا للحوار حول الأشكال المسرحية الجديدة.
إرث أكاديمي وفني يتجاوز حدود مصر
أهمية سعد أردش لا تتوقف عند العروض المسرحية التي أخرجها، بل تمتد إلى العمل الأكاديمي والتأليف والترجمة والإدارة الثقافية. فقد شغل مناصب عدة، بينها رئاسة قسم التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية، كما تولى مواقع مؤثرة داخل مؤسسات المسرح الرسمية. وتذكر المصادر أن له إسهامات في رفد المكتبة المسرحية العربية بمؤلفات ودراسات وترجمات، من بينها «المخرج في المسرح المعاصر»، إلى جانب أعمال أخرى ارتبطت بالدراسة والتدريس المسرحي.
هذا البعد الأكاديمي يفسر أيضًا لماذا جاء جانب كبير من الندوة مركزًا على أثره في تلاميذه. فالرجل لم يُنظر إليه فقط كصاحب عروض لافتة، بل كـمدرسة صنعت أجيالًا من المخرجين والباحثين وأساتذة المسرح. وفي السياق العربي الأوسع، تبدو هذه النقطة أساسية؛ إذ إن كثيرًا من رموز المسرح في المنطقة لم يتركوا أثرًا مزدوجًا، فنيًا ومؤسسيًا، بالقدر نفسه الذي فعله سعد أردش.
مهرجان القاهرة التجريبي ودلالة التوقيت
الاحتفاء بسعد أردش هذا العام يحمل دلالة إضافية، لأن الدورة الثالثة والثلاثين من المهرجان تأتي وسط برنامج واسع يجمع بين العروض والورش والندوات الفكرية، في محاولة لتأكيد موقع القاهرة كمركز للحوار المسرحي العربي والدولي. ووفق البيانات المنشورة عن الدورة الحالية، فإن المهرجان يواصل تنظيم فعالياته بإشراف الدكتور سامح مهران، بينما تتولى الدكتورة دينا أمين مهام إدارة المهرجان، مع برنامج يضم مسابقة رسمية وعروضًا موازية وورشًا تدريبية ولقاءات فكرية.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه الندوة لا تخص الذاكرة الثقافية فقط، بل تطرح سؤالًا حاضرًا: كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تعيد تقديم رموزها للأجيال الجديدة؟ هنا تبدو «رد الجميل» خطوة ذكية، لأنها لم تكتفِ بسرد سيرة ذاتية، بل أعادت وضع اسم سعد أردش داخل النقاش المعاصر حول وظيفة المسرح، وحدود التجريب، وعلاقة الفن بالناس.
سعد أردش بين الخشبة والفكر
المسار الذي مثّله سعد أردش مهم أيضًا في سياق فن عربي أوسع، لأن تجربته لم تكن محلية منغلقة. لقد تحرك داخل أفق عربي واضح، سواء عبر تأثيره على الباحثين والمسرحيين، أو من خلال حضوره في لحظة تأسيسية من لحظات المسرح التجريبي العربي. كما أن انفتاحه على المدارس الحديثة لم يكن على حساب الهوية الثقافية، بل كان قائمًا على البحث عن صياغات مسرحية تتفاعل مع الأسئلة المحلية للمنطقة.
لهذا، فإن استدعاء سيرته في مهرجان قائم على فكرة التجريب ليس مجرد تحية لراحل كبير، بل تذكير بأن تحديث المسرح العربي لم يكن يومًا مشروع استيراد جاهز، وإنما عملية معقدة من الفهم والمواءمة وإعادة الخلق. وهي الفكرة التي تجعل اسم سعد أردش حاضرًا حتى اليوم في أي نقاش جاد عن تطور المسرح في مصر والمنطقة.
خلاصة المشهد
في المحصلة، قدمت ندوة «رد الجميل» واحدة من أبرز اللحظات الفكرية في برنامج مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي هذا العام. فقد أعادت الجمهور والمهنيين إلى سيرة فنان ترك بصمة حقيقية على بنية المسرح المصري والعربي، من التأسيس المؤسسي إلى الإبداع الفني والتعليم الأكاديمي. وبينما تتواصل فعاليات المهرجان في القاهرة حتى 8 سبتمبر 2026، يظل اسم سعد أردش حاضرًا باعتباره أحد الآباء الكبار لفكرة المسرح الذي يغامر، ويجدد، ويطرح الأسئلة الصعبة دون أن يبتعد عن الناس.
- عنوان الندوة: رد الجميل
- المناسبة: الدورة 33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي
- موعد الدورة: من 1 إلى 8 سبتمبر 2026
- رئيس المهرجان: الدكتور سامح مهران
- أبرز المشاركين في الندوة: مدحت الكاشف، رانيا فتح الله، محمد زعيمة، أيمن الشيوي
- أهمية سعد أردش: رائد مسرحي، مؤسس مسرح الجيب، وأول مدير للمهرجان وفق المصادر الثقافية المصرية