ندوة عن مسرح المجتمعات المحلية ضمن القومي للمسرح المصري
المهرجان القومي للمسرح يواصل فعالياته بندوة عن المجتمعات المحلية
يستمر المهرجان القومي للمسرح المصري في تقديم برنامجه خلال الدورة التاسعة عشرة برئاسة الفنان محمد رياض (@mohamedreyad1212 على إنستغرام)، مع التركيز هذا العام على توسيع حضور المسرح خارج دائرته التقليدية، وربط الخشبة بالناس في المحافظات والبيئات المختلفة. وفي هذا السياق، تأتي ندوة "مسرح المجتمعات المحلية" ضمن الأنشطة الفكرية التي يستضيفها المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، لتفتح نقاشًا حول دور المسرح في التعبير عن قضايا الناس داخل المدن والقرى، وكيف يمكن للعروض المحلية أن تصبح جزءًا من الحياة الثقافية اليومية.
الندوة ليست معزولة عن التوجه العام للدورة الحالية، إذ أعلن المهرجان أن محوره الفكري يحمل عنوان "المسرح والجمهور: هل يذهب الجمهور إلى المسرح أم يذهب المسرح إلى الجمهور؟"، وهو محور تنظمه لجنة الندوات برئاسة الناقدة والكاتبة رشا عبد المنعم. ووفق ما أعلنته التغطيات الصحفية المحلية، تُعقد جلسات هذا المحور خلال الفترة من 20 إلى 22 يوليو 2026 بمشاركة باحثين ونقاد وأكاديميين ومسرحيين، في محاولة لصياغة نقاش جاد حول أزمة الوصول إلى الجمهور وبناء قاعدة مشاهدة أوسع للمسرح المصري.
لماذا تحظى ندوة مسرح المجتمعات المحلية بأهمية خاصة؟
الاهتمام بمسرح المجتمعات المحلية يعكس سؤالًا أساسيًا يشغل الوسط الثقافي في مصر منذ سنوات: كيف يمكن للمسرح أن يعود إلى الناس، لا أن ينتظر حضورهم فقط إلى القاعات الكبرى؟ في هذا النوع من المسرح، تصبح الحكايات اليومية، والبيئة المحلية، والهوية الاجتماعية، واللغة القريبة من الجمهور، عناصر رئيسية في صناعة العرض. ولهذا تبدو الندوة متسقة تمامًا مع الرؤية التي طرحتها الدورة الحالية بشأن العلاقة بين المسرح والجمهور.
هذا التوجّه ظهر أيضًا في أنشطة المهرجان خارج القاهرة؛ إذ شهدت مدينة المنصورة في محافظة الدقهلية انطلاق برنامج من الفعاليات ضمن الدورة نفسها خلال الفترة من 7 إلى 12 يوليو 2026، في خطوة لافتة تعكس شعار الدورة "في كل مصر". وشمل البرنامج عروضًا وورشًا فنية وأنشطة توثيقية وفعاليات مرتبطة بالدمج الثقافي وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، بما يؤكد أن المهرجان لا يكتفي بالمسابقة والعروض الرسمية فقط، بل يتحرك أيضًا في اتجاه العدالة الثقافية والوصول إلى جمهور جديد.
محمد رياض يواصل إدارة دورة تستهدف الانتشار الأوسع
يتولى رئاسة المهرجان الفنان محمد رياض، وهو اسم معروف لدى جمهور الدراما والسينما في مصر، كما يشغل منذ سنوات موقعًا إداريًا بارزًا داخل هذا الحدث المسرحي. وتؤكد البيانات والتغطيات المتاحة أن الدورة التاسعة عشرة تُدار برؤية تميل إلى الانتشار الجغرافي وفتح حوار فكري أعمق مع الجمهور، بدل الاكتفاء بالاحتفاء بالعروض داخل النطاق التقليدي للمسرح المصري.
وبحسب ما أُعلن في المؤتمر الصحفي الخاص بالدورة، تضم المسابقة الرسمية هذا العام 34 عرضًا مسرحيًا، إلى جانب 3 عروض على الهامش، بما يعكس تنوع الجهات المنتجة بين مؤسسات الدولة والمسرح الجامعي والهواة ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص. هذا التنوع نفسه يمنح ندوة مسرح المجتمعات المحلية أهمية إضافية، لأنها تتعامل مع أحد المسارات القادرة على وصل هذا التنوع بسياق اجتماعي أوسع.
المجلس الأعلى للثقافة.. مساحة طبيعية للنقاش المسرحي
اختيار المجلس الأعلى للثقافة لاستضافة هذه الندوة يبدو منطقيًا، باعتباره أحد أهم المنابر الثقافية الرسمية في مصر، وفضاءً معتادًا للحوارات المتخصصة بين الفنانين والباحثين والنقاد. واستضافة المجلس لفعاليات المحور الفكري تمنح النقاش بعدًا مؤسسيًا، خصوصًا أن قضية بناء جمهور المسرح لم تعد مجرد شأن فني، بل أصبحت مرتبطة بالسياسة الثقافية، والتعليم، والإعلام، وانتشار الخدمات الثقافية في المحافظات.
ومن هنا، فإن الحديث عن مسرح المجتمعات المحلية لا يقتصر على شكل فني أو مدرسة إخراجية، بل يمتد إلى أسئلة عملية، مثل: كيف تُنتج العروض داخل البيئات المحلية؟ من يمولها؟ وكيف تصل إلى الناس؟ وهل يمكن أن تصبح المدارس والجامعات ومراكز الشباب وقصور الثقافة روافد أساسية لهذا النوع من المسرح؟
ما الذي يناقشه المحور الفكري للدورة 19؟
التفاصيل المنشورة عن البرنامج الفكري للمهرجان تشير إلى أنه يتناول عدة زوايا مرتبطة مباشرة بفكرة الجمهور، من بينها:
- هوية جمهور المسرح المصري اليوم، وهل تغيرت ملامحه مقارنة بسنوات سابقة.
- آليات الوصول إلى المتلقي داخل القاهرة وخارجها.
- دور النقد والإعلام في دعم الثقافة المسرحية.
- خصوصية جمهور المسارح النوعية والمستقلة والجامعية.
- دور المهرجانات في توسيع القاعدة الجماهيرية.
- التجارب الحديثة التي تراهن على الفضاءات غير التقليدية والمنصات الجديدة.
- صياغة سياسة ثقافية تساعد على بناء جمهور مستدام للمسرح.
داخل هذا الإطار، تبدو ندوة مسرح المجتمعات المحلية واحدة من أكثر الجلسات اتصالًا بالواقع، لأنها تنقل النقاش من مستوى التنظير إلى سؤال التطبيق: كيف يصبح المسرح حاضرًا في الحي والقرية والمدينة الصغيرة، لا في العاصمة وحدها؟
دلالة الندوة بالنسبة للمشهد المسرحي في مصر
المشهد المسرحي المصري يشهد في السنوات الأخيرة محاولات متنوعة لاستعادة جمهوره، سواء عبر العروض الجماهيرية، أو المسرح الجامعي، أو الورش والفعاليات التي تتحرك في المحافظات. لكن مسرح المجتمعات المحلية يظل من أكثر المسارات قدرة على بناء علاقة مباشرة وطويلة المدى مع الناس، لأنه ينطلق من قضاياهم وتجاربهم ولغتهم ومساحاتهم الحياتية.
وبالنسبة للقارئ المصري، خاصة خارج القاهرة، فإن أهمية هذه الندوة تكمن في أنها تضع المحافظات في قلب النقاش، لا على هامشه. كما أنها تنسجم مع توجه رسمي وثقافي أوسع يدعو إلى نشر الخدمات والأنشطة الثقافية على نطاق أوسع، بدل تركّزها في عدد محدود من المسارح والمؤسسات الكبرى.
خلاصة المشهد
المهرجان القومي للمسرح المصري لا يكتفي هذا العام بعرض الإنتاج المسرحي والتنافس بين الفرق، بل يحاول أن يفتح ملفًا أكثر إلحاحًا: كيف يستعيد المسرح جمهوره؟ ومن هنا تكتسب ندوة مسرح المجتمعات المحلية أهميتها، باعتبارها جزءًا من نقاش أشمل حول مستقبل المسرح المصري، وحدود حضوره في الشارع والمدرسة والجامعة والقرية والمدينة. وإذا كان شعار الدورة هو الوصول إلى الناس "في كل مصر"، فإن هذه الندوة تمثل ترجمة فكرية واضحة لهذا الشعار، وتضع المجتمع المحلي في صلب الرهان المسرحي الجديد.