"نوستالجيا شالة" تعيد تاريخ الأمازيغ والرومان إلى الرباط
عرض مسرحي مغربي يعيد فتح صفحات منسية من التاريخ
في واحدة من أكثر التجارب الفنية لفتًا للانتباه في المغرب هذا الصيف، يستقبل موقع شالة الأثري في الرباط عرض "نوستالجيا شالة" بوصفه مشروعًا مسرحيًا يخرج من القاعة التقليدية إلى الفضاء التراثي المفتوح، ليحوّل المكان نفسه إلى جزء من الحكاية. الرهان هنا لا يقوم فقط على تقديم فرجة بصرية، بل على استدعاء طبقات متراكمة من الذاكرة المغربية، من العهد الأمازيغي والروماني إلى الفترة المرينية، داخل موقع يعد من أبرز معالم العاصمة المغربية التاريخية.
أهمية العرض لا تنبع من فكرته الجمالية وحدها، بل من اختياره شالة مسرحًا حيًا للأحداث. فالموقع، بحسب المعطيات التعريفية الرسمية والسياحية المعتمدة في الرباط، أُقيم في القرن الرابع عشر خلال العهد المريني فوق أطلال المدينة الرومانية القديمة Sala Colonia، كما يقع خارج الأسوار الموحدية وعلى بعد نحو كيلومترين من وسط المدينة. ويُنظر إليه كذلك باعتباره من أقدم التجمعات البشرية عند مصب نهر أبي رقراق، وهو ما يمنحه ثقلًا رمزيًا خاصًا حين يُستخدم لإحياء قصة تتصل بصدامات قديمة بين التمدد الروماني ومقاومة السكان المحليين.
من هم أبطال الحكاية في "نوستالجيا شالة"؟
التغطيات المغربية الحديثة للعرض تكشف أن العمل لا يكتفي باستلهام التاريخ على نحو عام، بل يذهب إلى تجسيد شخصيات درامية ذات إحالات تاريخية مباشرة. فقد أشارت تقارير منشورة في المغرب خلال يوليو 2026 إلى أن الممثل أمين طاليدي يؤدي دور القائد الروماني بولينوس، في مواجهة درامية مع القائد الأمازيغي أديمون. كما تشارك الممثلة فاطمة الزهراء أحرار في هذا المشروع، وأكدت في تصريحات منشورة أن تجربتها مع "نوستالجيا شالة" تتواصل للعام الثالث، وهو ما يعكس استمرارية العرض وتطوره من دورة إلى أخرى.
هذه المقاربة تمنح العمل طابعًا أقرب إلى المسرح التاريخي الحي، حيث لا تكون الشخصيات مجرد أسماء بعيدة من الكتب، بل أجسادًا تتحرك وسط الآثار وتمنح المشاهد فرصة لتخيّل التاريخ وهو يحدث أمامه. ومن هنا تبدو قيمة المشروع بالنسبة للقارئ المصري والعربي واضحة: نحن أمام نموذج مغاربي يربط الفنون الأدائية بالتراث المادي، ويحوّل الموقع الأثري من معلم للزيارة الصامتة إلى منصة سرد بصري ومعرفي.
شالة.. حين يصبح الأثر جزءًا من السينوغرافيا
اللافت في "نوستالجيا شالة" أن عناصر العرض لا تنفصل عن المكان. فبدل بناء ديكور يحاكي الماضي داخل خشبة مغلقة، يعتمد العمل على معمار شالة نفسه: بوابتها المرينية، أطلالها الرومانية، ومساراتها الحجرية الممتدة بين بقايا حضارات تعاقبت على الرباط. وتصف المصادر الرسمية الخاصة بالترويج لزيارة شالة المكان بأنه فضاء تتجاور فيه آثار الإمبراطوريتين الرومانية والمرينية في مشهد واحد، وهو توصيف يفسر جاذبية الموقع بوصفه حاضنة مثالية لعرض يستند إلى استعادة الذاكرة التاريخية.
هذا الاختيار يرفع من قيمة الأزياء والإكسسوارات والأداء الحركي في العرض، لأن أي عنصر بصري هنا يدخل في حوار مباشر مع الحجر القديم. ومن الناحية الفنية، يمنح ذلك الممثلين تحديًا إضافيًا: الأداء في فضاء مفتوح، وسط تضاريس أثرية حقيقية، وأمام جمهور لا يفصل بينه وبين الحدث ستار المسرح المعتاد.
لماذا يكتسب العرض أهمية خاصة في المشهد الثقافي المغربي؟
- إحياء الذاكرة المحلية: العمل يعيد تقديم مرحلة من تاريخ المغرب القديم من زاوية شعبية وبصرية.
- ربط الفن بالتراث: استخدام موقع أثري حقيقي يمنح العرض صدقية وجاذبية سياحية وثقافية في آن واحد.
- تبسيط التاريخ للجمهور: المسرح هنا يتحول إلى وسيلة لتقريب الماضي من المتلقي غير المتخصص.
- تعزيز صورة الرباط الثقافية: المدينة المصنفة ضمن التراث العالمي لدى اليونسكو تستفيد من هذا النوع من الفعاليات التي تربط التراث بالممارسة الفنية المعاصرة.
الرباط بين الحداثة والذاكرة
لا يمكن فصل نجاح تجربة مثل "نوستالجيا شالة" عن طبيعة الرباط نفسها. فالعاصمة المغربية مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو باعتبارها مدينة تجمع بين الموروث العربي الإسلامي ومشاريع الحداثة العمرانية في القرن العشرين. وداخل هذا المشهد، تبدو شالة واحدة من النقاط التي تختصر طبقات التاريخ المغربي قبل الإسلام وبعده، بما في ذلك الحضور الروماني ثم المريني. هذا التراكم يجعل العرض أكثر من مجرد حدث فني عابر؛ إنه استثمار ثقافي في هوية المكان.
بالنسبة للقراء في مصر، تبدو التجربة قريبة من فكرة توظيف المواقع التاريخية في العروض الحية، وهي فكرة تحمل جاذبية عربية واسعة حين تُنفذ ببحث دقيق واحترام للسياق الأثري. وما يميز الحالة المغربية هنا أن شالة ليست خلفية بصرية فحسب، بل عنصر درامي أصيل، لأن الحكاية نفسها مرتبطة بتعاقب القوى والحضارات على هذا الموضع تحديدًا.
ماذا نعرف عن أوقات زيارة شالة؟
بحسب المعلومات المنشورة على منصة الترويج الرسمية الخاصة بوجهة الرباط، فإن موقع شالة مفتوح يوميًا من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً. هذه المعلومة مهمة لزوار الرباط الراغبين في التعرف إلى المكان الذي يحتضن العرض، حتى في غير مواعيد الفعاليات الفنية. كما أن عنوان الموقع المدرج رسميًا هو 9 شارع النخيل، الرباط، ما يكرّس حضوره بوصفه أحد أبرز العناوين الثقافية والسياحية في المدينة.
بين الفرجة والمعرفة.. ما الذي يقدمه "نوستالجيا شالة" فعلًا؟
أكثر ما يميّز هذا العرض أنه لا يكتفي بالحنين إلى الماضي على مستوى العنوان، بل يترجم "النوستالجيا" إلى تجربة مشاهدة قائمة على إعادة تخيل التاريخ المغربي داخل فضائه الأصلي. ومن خلال ما نُشر في الصحافة المغربية، فإن صنّاع العمل يؤكدون أنهم لا يهدفون إلى "إعادة كتابة التاريخ" بقدر ما يسعون إلى استلهام الشواهد الأثرية والمعالم القائمة داخل شالة، وتقديمها في قالب مسرحي مشوق يقرب الإرث من الجمهور ويوقظ الذاكرة الجماعية.
في النتيجة، يقدّم "نوستالجيا شالة" نموذجًا عربيًا جديرًا بالمتابعة: عرض يستلهم التاريخ الأمازيغي والروماني، ويستند إلى فضاء أثري حقيقي، ويخاطب جمهورًا معاصرًا بلغة بصرية مفهومة. وهو ما يجعله حدثًا ثقافيًا يتجاوز حدود الرباط إلى فضاء أوسع من الاهتمام العربي، خصوصًا لدى القراء المهتمين بتقاطعات المسرح والتراث والهوية في المنطقة.