"نوستالجيا" في شالة.. المسرح يعيد ذاكرة الأمازيغ والرومان
عرض مسرحي داخل التاريخ لا فوقه
في الرباط، لا يكتفي عرض "نوستالجيا" بأن يقدّم حكاية على خشبة تقليدية، بل يذهب أبعد من ذلك عبر تحويل موقع شالة الأثري نفسه إلى جزء من السرد البصري والدرامي. هذه الفكرة تمنح الجمهور تجربة مختلفة عن المسرح الكلاسيكي، لأن المشاهد لا يتابع قصة تاريخية من مقعد معزول، بل يجد نفسه داخل فضاء حقيقي شهد تعاقب حضارات وحقب متعددة من تاريخ المغرب. ووفق وزارة الشباب والثقافة والتواصل في المغرب، فإن عرض "نوستالجيا، روح الزمان" افتتح فعالياته في شالة بالرباط يوم 8 يوليو/تموز 2026 بوصفه عملا فنيا غامرا يمزج بين الضوء والموسيقى وفنون العرض الحي، ويعيد إحياء ذاكرة هذا الموقع التاريخي.
بالنسبة للقارئ المصري، تبدو الفكرة قريبة من العروض التي تستخدم المواقع التاريخية كجزء من التجربة نفسها، لا مجرد خلفية جمالية. لكن خصوصية التجربة المغربية هنا تكمن في أنها تنقل تاريخا محليا وإقليميا شديد الارتباط بالهوية الأمازيغية وبمرحلة الحضور الروماني في شمال أفريقيا، وهو ما يمنح العرض قيمة تتجاوز الترفيه إلى استعادة الذاكرة الثقافية بصياغة معاصرة.
شالة.. معلم أثري يشرح نفسه بنفسه
اختيار شالة ليس تفصيلا عابرا. فالموقع الأثري في الرباط يُعد من أبرز المعالم التاريخية في العاصمة المغربية، وتؤكد المنصة الرسمية الخاصة بالموقع أنه شاهد مادي على مراحل متعددة من تاريخ المغرب، كما أن الآثار المفتوحة للزيارة تمتد على مساحة سبعة هكتارات داخل السور المريني العائد إلى القرن الرابع عشر. كذلك يُعد شالة جزءا من الممتلك الثقافي "الرباط، عاصمة حديثة ومدينة تاريخية: تراث مشترك" المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ 2012.
وتوضح المصادر الرسمية المغربية أن الموقع يجمع بين بقايا المدينة القديمة والمقبرة الملكية المرينية ومجموعة أضرحة من فترات لاحقة، ما يجعله مكانا مثاليا لسرد طبقات التاريخ المغربي فوق أرضه الأصلية. ومن هذه الزاوية تحديدا يكتسب عرض "نوستالجيا" قوته، لأنه لا يبني ديكورا يحاكي الماضي فقط، بل يستند إلى فضاء أثري حقيقي يمنح الصورة المسرحية صدقيتها وعمقها.
كيف يعيد "نوستالجيا" قراءة الماضي؟
المادة الأساسية للعمل، بحسب ما أعلنته الجهات المنظمة، تقوم على سرد بصري غامر يستحضر الحضارات التي مرت على شالة وعلى المغرب عموما، مع دمج التاريخ بالإضاءة والموسيقى وفنون الأداء الحي. وفي نسخة 2024 من البرنامج، أوضحت الوزارة أن البرمجة تناولت الحضارات الرومانية والأمازيغية والمرينية والعلوية، وهو ما ينسجم مع الفكرة العامة للعرض بوصفه رحلة عبر الأزمنة لا مجرد مشهد واحد من الماضي.
مصدر الخبر الأصلي أشار إلى استحضار حقبة حاول فيها الرومان التوسع في المغرب ومقاومة القبائل الأمازيغية لذلك. هذه الزاوية تتوافق مع الإطار التاريخي الأوسع الذي يربط شالة بمدينة سلا/سالا القديمة التي ارتبطت بفترات ما قبل الإسلام والحضور الروماني في المنطقة، لكن المصادر الرسمية المتاحة عن نسخة 2026 لا تفصل علنا كل مشاهد العرض بهذا المستوى من الدقة؛ لذا فالأدق صحفيا هو القول إن العمل يستلهم التداخل بين الحقب الأمازيغية والرومانية ضمن سرد تاريخي أوسع عن شالة والمغرب، من دون الجزم بتفاصيل درامية غير منشورة رسميا.
أمين ناسور والرهان على "مسرح المواقع"
المخرج المغربي أمين ناسور يقود هذا المشروع الفني بوصفه تجربة تراهن على ما يمكن وصفه بـ"مسرح المواقع"، أي المسرح الذي يخرج من القاعة المغلقة إلى فضاء له ذاكرة ورمزية. وقد نقلت وزارة الشباب والثقافة والتواصل عنه أن العرض يقدم لوحة درامية مشبعة ببعد تاريخي قوي، تستحضر الحقب الكبرى التي طبعت تاريخ شالة والمغرب، مع توسيع المشاركة الفنية هذا العام عبر إشراك شباب من المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي إلى جانب فنانين مغاربة معروفين.
هذا التوجه مهم أيضا من ناحية الصناعة الثقافية. فحين يُستخدم الموقع الأثري كمنصة عرض، يصبح الأثر جزءا من الاقتصاد الثقافي والسياحة الفنية في الوقت نفسه. وهو ما أشار إليه وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد حين اعتبر الحدث موعدا تراثيا راسخا يهدف إلى تقريب تاريخ المغرب من الجمهور وإعادة الحياة إلى المآثر التاريخية، لافتا كذلك إلى أن التذاكر نفدت في أقل من 24 ساعة من طرحها للبيع في نسخة 2026.
من مشروع أطلق في 2016 إلى حدث جماهيري
برنامج "نوستالجيا" ليس وليد هذا الموسم. فالمصادر الرسمية المغربية تؤكد أنه أطلق سنة 2016 بمبادرة من وزارة الشباب والثقافة والتواصل بهدف تثمين المواقع التاريخية والتعريف بتاريخ المملكة عبر عروض فنية غامرة ومقاربات مبتكرة. كما توضح الوزارة أن البرنامج تنقل في محطات سابقة بين مواقع أثرية بارزة في مراكش وشفشاون وطنجة، قبل أن يعود إلى شالة في الرباط.
وفي نسخة 2024، ذكرت الوزارة أن الدورة الأولى في شالة استقطبت نحو 20 ألف شخص قبل انتقال الفعالية إلى فضاءات أثرية أخرى، ما يكشف أن المشروع نجح في بناء جمهور حقيقي للعروض التي تستند إلى الذاكرة والتراث، وليس فقط إلى النجومية أو الترفيه السريع.
أما في 2026، فتشير الصفحة الرسمية المخصصة للفعالية إلى أن العرض كان مجانيا مع الحجز المسبق، وهي نقطة تفسر جزئيا الإقبال الكبير عليه، كما تؤكد الرهان على إتاحة الثقافة الرفيعة لجمهور أوسع، وليس حصرها في دوائر نخبوية.
لماذا يهم هذا الحدث قارئ "فن عربي" في مصر؟
لأن المشهد الثقافي في المنطقة يشهد في السنوات الأخيرة عودة قوية لفكرة إعادة تنشيط التراث عبر الفنون الحية، سواء بالموسيقى أو المسرح أو التجارب السمعية البصرية. وتجربة شالة تقدم نموذجا مغاربيا واضحا لكيف يمكن للموقع الأثري أن يتحول إلى مادة فنية معاصرة، من دون أن يفقد وقاره التاريخي. بالنسبة للقراء في مصر، وهي دولة تملك بدورها رصيدا ضخما من المواقع الأثرية والاحتفالات الثقافية المرتبطة بها، تبدو التجربة المغربية جديرة بالمتابعة لأنها تقدم صيغة عربية وأفريقية ناجحة في الربط بين الهوية والفرجة والسياحة الثقافية.
شالة كعنوان لذاكرة مغربية متعددة
ما يلفت النظر في "نوستالجيا" ليس فقط استعادة زمن الأمازيغ والرومان، بل الطريقة التي يوضع بها هذا الزمن داخل سردية أشمل عن المغرب بوصفه فضاء تعاقبت عليه حضارات وصاغت ملامحه طبقات تاريخية متنوعة. ومن ثم فإن العرض لا يكتفي بإحياء الماضي، بل يعيد طرح سؤال معاصر: كيف يمكن للفن أن يجعل الجمهور يرى التاريخ باعتباره تجربة حيّة تمس الحاضر؟
الجواب الذي تقترحه شالة في الرباط واضح: حين يمتزج البحث التاريخي بالإخراج المسرحي، وتتحول الآثار إلى فضاء أداء، يصبح التراث أقرب إلى الناس وأكثر قدرة على البقاء في الذاكرة. ولهذا يبدو "نوستالجيا" أكثر من مجرد عرض موسمي؛ إنه مثال على كيف يمكن للمسرح العربي في المنطقة أن يستثمر التاريخ المحلي ليصنع حدثا ثقافيا معاصرا له جاذبية جماهيرية ورسالة حضارية في آن واحد.
- المكان: موقع شالة الأثري، الرباط
- الجهة المنظمة: وزارة الشباب والثقافة والتواصل في المغرب
- طبيعة الحدث: عرض فني ومسرحي غامر داخل موقع أثري
- أبرز الثيمات: الحضارات الأمازيغية والرومانية والمرينية والعلوية
- برنامج "نوستالجيا": أطلق في 2016 لتثمين المواقع التاريخية المغربية