المازيكاتي

هشام تحسين: قرصنة الدراما المصرية بالخارج تستنزف السوق

هشام تحسين يفتح ملف قرصنة الدراما المصرية خارج الحدود

أعاد المنتج هشام تحسين الحديث عن واحدة من أكثر الأزمات إزعاجًا لصناع الدراما في مصر والعالم العربي، بعدما تحدث عن سرقة المحتوى الدرامي المصري في الخارج، مؤكدًا أن الخسائر السنوية الناتجة عن هذه الممارسات تصل إلى مئات الملايين. وجاء طرحه للملف ضمن برنامج "أنا المنتج"، الذي أشارت تغطيات صحفية مصرية إلى أنه يناقش خلال حلقاته أزمات التمويل والتأمين على الأعمال الفنية، إضافة إلى ما وصفته بـ"مافيا سرقة المحتوى" ومستقبل الدراما في ظل التحولات الرقمية.

تصريحات تحسين تكتسب أهمية خاصة لأنها لا تتعلق فقط بخسائر منتج أو شركة بعينها، بل تمس دورة اقتصادية كاملة تبدأ من كتابة السيناريو والتصوير، ثم التسويق والبيع للمنصات والقنوات، وتنتهي عند العائد الذي يفترض أن يعود إلى الصناعة لإنتاج أعمال جديدة. وفي سوق عربي شديد التنافس، تصبح أي نسخة مقرصنة تُبث أو تُرفع بصورة غير قانونية خصمًا مباشرًا من قيمة الحقوق الأصلية، خصوصًا في أسواق العرض خارج مصر.

لماذا تمثل القرصنة ضربة قاسية للدراما المصرية؟

الدراما المصرية لا تتحرك داخل السوق المحلي فقط، بل تعتمد كذلك على التوزيع العربي والرقمي، وهو ما يجعل حماية الحقوق عنصرًا أساسيًا في جدوى الاستثمار. منصة WATCH IT تؤكد في تعريفها الرسمي أنها تقدم محتوى عربيًا أصليًا وتصل إلى جمهور الناطقين بالعربية داخل مصر وفي الشرق الأوسط وخارجه، ما يوضح أن قيمة المحتوى اليوم مرتبطة بقدرة المنتج على استثماره إقليميًا وعبر الإنترنت، وليس فقط عبر البث التلفزيوني التقليدي. كما تشير المنصة في مركز المساعدة الخاص بها إلى أن إتاحة العمل أو حجبه قد يرتبط أحيانًا بالحقوق المتاحة لكل منطقة جغرافية، وهي نقطة تكشف أهمية حقوق الاستغلال الإقليمي في اقتصاد المحتوى الحديث.

عندما تنتشر الحلقات عبر مواقع أو قنوات غير مرخصة، فإن الضرر لا يقتصر على المشاهدة المجانية؛ بل يمتد إلى إضعاف القدرة على بيع الحقوق الحصرية، والتأثير على عوائد الإعلانات، وإفساد قيمة العرض الأول أو الثاني. هذه المشكلة ليست جديدة في السوق المصرية؛ إذ سبق أن رصدت تقارير صحفية على مدار سنوات شكاوى من منتجين تحدثوا عن خسائر كبيرة بسبب البث غير القانوني و"حرق" الأعمال قبل استكمال دورتها التجارية.

من الشكوى الإعلامية إلى النزاع القضائي

الواقع العملي يثبت أن ملف سرقة المحتوى لا يقف عند حدود التصريحات. فالقضاء الاقتصادي في مصر نظر بالفعل في قضايا مرتبطة بعرض أعمال دون وجه حق أو بالاعتداء على الحقوق الفكرية المرتبطة بالمصنفات الفنية. ومن بين الأمثلة التي وثقتها الصحافة المصرية دعوى طالبت فيها شركة منتجة بتعويضات على خلفية بث مسلسل "لعنة كارما" دون حق، مع مطالبة بسداد 21 مليون جنيه قيمة عرض العمل، كما شهدت المحكمة الاقتصادية نزاعات أخرى مرتبطة بحقوق التأليف والاقتباس في أعمال درامية مختلفة.

هذه السوابق توضح أن الخسارة لا تُقاس فقط بالأرقام المتداولة في الإعلام، بل يمكن أن تتحول إلى مطالبات مالية وقضايا طويلة، بما يستهلك وقت المنتجين ويؤخر استرداد حقوقهم. كما أن تعقيد التعدي عندما يقع خارج مصر يجعل استرداد الحق أكثر صعوبة، لأن الأمر قد يتطلب ملاحقة عبر أكثر من نطاق قانوني وسوق بث.

الإطار القانوني في مصر: حماية موجودة والتحدي في التنفيذ

على المستوى التشريعي، تؤكد المنظومة الإعلامية المصرية أهمية حماية الملكية الفكرية. فالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ينص عبر موقعه الرسمي، ضمن اختصاصاته المرتبطة بقانون تنظيم الصحافة والإعلام، على حماية حقوق الملكية الفكرية في مجالي الصحافة والإعلام. كما تعكس مواد منشورة رسميًا ارتباط تنظيم الوسائط الإعلامية والرقمية في مصر بواجب احترام الحقوق وعدم انتهاكها.

لكن التحدي الحقيقي، وفق ما تكشفه طبيعة السوق، لا يكمن في غياب النصوص وحدها، بل في سرعة التعدي وانتشاره عبر منصات ومواقع وصفحات وقنوات تبث من خارج الحدود. وهنا تصبح المواجهة متعددة الأطراف: تشريعات محلية، تتبع رقمي، تعاون مع المنصات، وتحرك تجاري يحافظ على الحقوق قبل ضياع قيمتها السوقية.

ما الذي يعنيه حديث هشام تحسين لصناعة الدراما عربيًا؟

أهمية تصريحات هشام تحسين لا ترتبط فقط بمصر، بل تمتد إلى المشهد العربي الأوسع، خصوصًا أن الدراما المصرية لا تزال أحد أهم روافد المحتوى في المنطقة. أي تراجع في عوائد بيع الأعمال أو إضعاف قيمة الحقوق الخارجية ينعكس على حجم الإنتاج، وأجور العناصر الفنية، وفرص التجريب، وحتى قدرة الشركات على تمويل أعمال جديدة تنافس عربيًا.

وتزداد حساسية الأزمة مع التوسع في المنصات الرقمية وتغير عادات المشاهدة. فبدل أن تكون التكنولوجيا فرصة خالصة لتوسيع وصول الدراما المصرية، يمكن أن تتحول إلى أداة لاستنزافها إذا لم تقترن بحماية فعالة للحقوق. ومن هنا يبدو منطقيًا أن يربط تحسين بين ملف القرصنة ومستقبل الصناعة، خصوصًا في وقت تتجه فيه السوق إلى أنماط إنتاج جديدة، بينها المحتوى القصير والميكرودراما، وهي مسارات أشار إليها الحديث الصحفي عن البرنامج نفسه.

بين السوق والمنصات: أين تكمن نقطة الحسم؟

نقطة الحسم غالبًا ستكون في بناء نموذج يوازن بين الإتاحة السهلة للمشاهد العربي، والحفاظ على الحقوق التجارية للمنتج. فكلما أصبح الوصول القانوني إلى العمل أسرع وأوضح، تراجعت جزئيًا جاذبية النسخ المقرصنة. وفي المقابل، تحتاج الشركات المالكة للحقوق إلى تطوير آليات الرصد والإزالة والتحرك القانوني، بالتوازي مع تقديم محتوى قادر على جذب المشتركين في القنوات والمنصات الشرعية.

كما أن السوق المصرية تملك ميزة مهمة تتمثل في وجود بنية إنتاجية كبيرة، وأرشيف ضخم، ومنصات رسمية وتجارية تعمل على استثمار هذا المحتوى. لكن استمرار الشكوى من تسرب الأعمال أو إعادة بثها دون ترخيص يعني أن المعركة ما زالت مفتوحة، وأن الحفاظ على قيمة الدراما المصرية لن يتحقق بالنجاح الفني وحده، بل أيضًا بإدارة صارمة للحقوق.

خلاصة المشهد

ما طرحه هشام تحسين ليس مجرد تنبيه عابر، بل جرس إنذار جديد بشأن نزيف اقتصادي يطاول أحد أهم قطاعات القوة الناعمة المصرية. ومع ثبوت وجود سوق رقمي عابر للحدود، ووجود سوابق قضائية مصرية في نزاعات البث والملكية الفكرية، يصبح ملف مكافحة القرصنة شرطًا أساسيًا لحماية مستقبل الدراما المصرية عربيًا، لا سيما في أسواق الخارج التي تمثل مصدرًا مهمًا للعائد والنفوذ الثقافي معًا. وبين النصوص القانونية والواقع العملي، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الصناعة في تحويل الشكوى المزمنة إلى منظومة ردع فعالة تحفظ الحقوق وتضمن استمرار الإنتاج؟