المازيكاتي

هل تعيد اعتذارات الدورة 34 رسم خريطة مهرجان الموسيقى العربية؟

مهرجان على موعد ثابت.. لكن بخريطة قابلة للتعديل

قبل أقل من عشرة أيام على انطلاق الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية يوم 20 أكتوبر 2026، لم يعد السؤال في الوسط الفني المصري: هل يُقام المهرجان أم لا؟ بل: كيف ستبدو حفلاته النهائية بعد موجة الارتباك والاعتذارات التي لحقت بالإعلان الرسمي للبرنامج؟ المؤكد حتى الآن أن دار الأوبرا المصرية ماضية في تنظيم الدورة حتى 30 أكتوبر، وفق ما أعلنه رئيسها ورئيس المهرجان الدكتور رضا الوكيل، بعد جدل واسع رافق اعتذارات عدد من المطربين وتداول أنباء عن تغييرات إدارية وتنظيمية داخل الأوبرا.

أهمية هذا الجدل لا تعود فقط إلى مكانة المهرجان بوصفه الحدث الأبرز للموسيقى العربية في مصر، بل أيضًا إلى توقيته؛ إذ يأتي بعد موسم حفلات الصيف الذي ظل هذا العام مزدحمًا بالمنافسة بين الساحل الشمالي والإسكندرية والمكتبة وفعاليات المدن الجديدة، ليجد جمهور الغناء نفسه أمام انتقال موسمي طبيعي من حفلات الصيف المفتوحة إلى حفلات الخريف الكلاسيكية داخل المسارح، وفي مقدمتها مسرح دار الأوبرا المصرية.

ماذا أُعلن رسميًا عن البرنامج؟

بحسب ما أُعلن في المؤتمر الصحفي الذي عقدته دار الأوبرا يوم 30 سبتمبر 2026، تقام الدورة بين 20 و30 أكتوبر، وتتضمن 22 حفلاً يحييها نحو 70 فنانًا. كما ذكرت التغطيات أن حفلات المسرح الكبير وحدها تتوزع على 11 ليلة، تبدأ جميعها في الثامنة مساءً، وتحمل كل ليلة عنوانًا تكريميًا لاسم من رموز الغناء والتلحين العربي.

ومن أبرز الليالي التي أُعلن عنها: 20 أكتوبر «ليلة هاني شاكر» بمشاركة محمد ثروت ونيفين رجب ونادية مصطفى، و21 أكتوبر «ليلة بليغ حمدي» وكان اسم مروة ناجي مطروحًا في فقرتها الرئيسية، و22 أكتوبر «ليلة كمال الطويل» وكان مقررًا أن يحييها عاصي الحلاني، ثم 23 أكتوبر «ليلة محمد الموجي» بمشاركة أحمد جمال، و24 أكتوبر «ليلة رياض السنباطي» مع ريهام عبد الحكيم، و25 أكتوبر «ليلة سيد درويش» مع محمد محسن ونادية مصطفى، و26 أكتوبر «ليلة منير مراد» مع خالد سليم، و27 أكتوبر «ليلة محمد عبد الوهاب» مع محمد الحلو وغادة رجب.

أين بدأ الارتباك؟

الارتباك بدأ عمليًا بعد ساعات من إعلان البرنامج، حين ظهرت اعتذارات علنية من أسماء كانت واردة في القائمة المعلنة. أبرز هذه الحالات كانت مروة ناجي، التي أوضحت أن اعتذارها جاء بسبب تصريحات رئيس دار الأوبرا، إلى جانب عدم التنسيق معها بشأن موعد الحفل وبرنامجه. وقالت إنها فوجئت بتحديد حفلها يوم 21 أكتوبر خلال المؤتمر الصحفي، رغم ارتباطها بالسفر إلى سلطنة عمان يوم 14 أكتوبر وعودتها إلى مصر يوم 20 أكتوبر، بما لا يتيح الوقت الكافي للبروفات.

هذه النقطة تحديدًا كاشفة؛ لأنها لا تتعلق بمجرد انسحاب اسم من الملصق، بل تمس بنية التحضير نفسها: توقيت الإعلان، جاهزية البروفات، وآلية الاتفاق على البرنامج الفني مع المطرب والمايسترو. وفي مهرجان يقوم أساسًا على استعادة التراث العربي عبر حفلات شديدة الحساسية في اختيار الأغنيات وتوزيعها وقيادة فرقها، تصبح أي فجوة تنظيمية قادرة على تغيير شكل السهرة كاملة.

اعتذارات مؤثرة.. وبعضها يضرب ليالي بعينها

الاعتذار الثاني الأكثر تأثيرًا كان من عاصي الحلاني، الذي كان مقررًا ظهوره في 22 أكتوبر ضمن «ليلة كمال الطويل». البيان الصادر عن مكتبه الإعلامي أرجع الاعتذار إلى المستجدات الإدارية الأخيرة المتعلقة بدار الأوبرا المصرية. وبصرف النظر عن كون عاصي ليس فنانًا مصريًا، فإن انسحابه مهم على مستوى الجاذبية الجماهيرية، لأنه كان يمثل أحد الأسماء العربية الثقيلة القادرة على توسيع الحضور خارج الدائرة التقليدية لجمهور الأوبرا.

كذلك شهدت الأيام نفسها أخبارًا متلاحقة عن اعتذارات أو نفي مشاركة من أسماء أخرى، بينها مي فاروق التي نفت أساسًا مشاركتها في الدورة، بينما تحدثت تقارير صحفية عن اعتذار محمد محسن. وفي المقابل، لم تستقر كل الأسماء في خانة الغياب؛ إذ تراجع علي الحجار عن اعتذاره لاحقًا وعاد للمشاركة في حفلين بالقاهرة والإسكندرية بعد الجدل الذي أثير حول الميزانية المخصصة لفرقته الموسيقية.

هذا يعني أن خريطة المهرجان لا تتحرك في اتجاه واحد. هناك أسماء خرجت، وأسماء عادت، وأخرى ما زال وضعها محل متابعة حتى الإعلان النهائي المعتمد من الأوبرا. لذلك فإن الحديث عن “انهيار” البرنامج يبدو مبالغًا فيه، لكن الحديث عن إعادة صياغة فعلية لبعض الليالي يبدو أقرب إلى الواقع.

هل تتغير ملامح الحفلات فعلًا قبل 20 أكتوبر؟

الإجابة الأقرب: نعم، ولكن جزئيًا لا جذريًا. فالمهرجان، وفق التأكيد الرسمي، قائم في موعده ولن تُختصر مدته البالغة 11 يومًا. كما أن دار الأوبرا تملك قاعدة واسعة من مطربيها وعازفيها القادرين على سد الفراغات، خصوصًا في الليالي المبنية على فكرة التكريم الموضوعي لملحن أو مطرب راحل أكثر من اعتمادها على “نجم واحد” فقط.

لكن ما قد يتغير هو:

  • أسماء الفقرات الرئيسية في بعض الليالي التي كانت مرتبطة بمطربين معتذرين.
  • ترتيب السهرات أو إعادة توزيع مطربين بين القاهرة والإسكندرية.
  • طبيعة البرامج الغنائية داخل الليلة نفسها، خصوصًا حين ينسحب مطرب كان مخصصًا له مشروع تكريمي كامل.
  • وزن الحضور العربي مقابل المصري، مع اتجاه أوضح للاعتماد على مطربين مصريين ونجوم الأوبرا.

وفي هذا السياق، تبدو عبارة رضا الوكيل بأن المهرجان سيقام بمشاركة فنانين دار الأوبرا والفنانين المصريين الأوفياء إشارة واضحة إلى أن خطة الإنقاذ، إن جاز التعبير، تعتمد على القاعدة المصرية المحلية أكثر من الرهان على الأسماء العربية الضيفة.

ما الذي يعنيه ذلك للجمهور المصري؟

بالنسبة للقارئ في مصر، وخصوصًا جمهور فن مصري، فإن التطور الأهم ليس فقط من اعتذر، بل كيف ستستعيد الأوبرا ثقة الجمهور قبل ليلة الافتتاح. فالمهرجان تاريخيًا ليس مجرد جدول حفلات، بل مساحة لتقديم أصوات مصرية تعرف كيف تؤدي تراث هاني شاكر وبليغ حمدي وكمال الطويل ورياض السنباطي وسيد درويش ومحمد عبد الوهاب بمستوى يليق باسم الحدث.

ومن هذه الزاوية، قد تحمل الأزمة وجهًا آخر: فرصة لإعادة إبراز مطربي الأوبرا والأصوات المصرية التي لا تحظى دائمًا بالمساحة التجارية نفسها التي تفرضها حفلات الصيف السريعة. وإذا نجحت الإدارة في تثبيت البرنامج النهائي مبكرًا، وتأمين البروفات، وإعلان البدائل بوضوح، فقد يتحول الجدل الحالي من عبء إلى اختبار تنظيمي ناجح.

الخلاصة: المهرجان باقٍ.. لكن النسخة النهائية لم تُقفل بعد

حتى الآن، المؤكد أن مهرجان الموسيقى العربية 2026 سينطلق في 20 أكتوبر كما خُطط له، وأن الدورة الـ34 لن تُلغى رغم الارتباك. لكن المؤكد أيضًا أن ملامح بعض الحفلات تغيّرت بالفعل، وأن ما أُعلن في نهاية سبتمبر لم يعد مطابقًا تمامًا لما سيصل إلى المسرح في ليلة الافتتاح.

لذلك، فإن العنوان الأدق قبل الانطلاق ليس “أزمة تهدد المهرجان”، بل “سباق أخير لإعادة ضبط خريطة الحفلات”. وهذا السباق سيحسم ما إذا كانت الأوبرا ستدخل موسم الخريف الفني بثبات بعد ضوضاء ما بعد الصيف، أم أن اعتذارات الأيام الأخيرة ستترك أثرًا أوضح على واحدة من أهم المناسبات الموسيقية في مصر.