المازيكاتي

وثائقي «فلسطين ما وراء الجدار» يحصد جائزة عربية في تونس

تتويج عربي لوثائقي يضع معاناة الفلسطينيين في الواجهة

حصد الوثائقي «فلسطين ما وراء الجدار»، من إنتاج فرانس 24، جائزة ضمن فئة الأفلام الوثائقية المخصصة لفلسطين في المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، وهو الحدث الإعلامي الذي نظمه اتحاد إذاعات الدول العربية في تونس بين 26 و29 يونيو 2024. واكتسب الفوز دلالة خاصة لأن الدورة الرابعة والعشرين للمهرجان أقيمت تحت شعار «نصرة فلسطين»، بحسب ما أعلنه الاتحاد المنظم على موقعه الرسمي، فيما استضافت الفعاليات مدينة الثقافة الشاذلي القليبي ومسرح قرطاج الأثري في تونس.

العمل الفائز يحمل توقيع الصحفيين كلير دوهاميل ومحمد فرحات، ويركز على واحد من أكثر الملفات إيلامًا في الضفة الغربية، وهو واقع العمال الفلسطينيين الذين فقد عدد كبير منهم القدرة على الوصول إلى أعمالهم داخل إسرائيل بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، ما دفع بعضهم إلى سلوك طرق شديدة الخطورة لعبور الجدار والحواجز بحثًا عن لقمة العيش.

ماذا يوثق الفيلم؟

الوثائقي لا يكتفي بسرد خلفية سياسية عامة، بل يقترب من اليومي والإنساني: رجال يخرجون قبل الفجر، عائلات تنتظر دخلًا انقطع فجأة، ومشهد اقتصادي مأزوم يضغط على آلاف الأسر في الضفة الغربية. ومن هذه الزاوية، يضع الفيلم قضية العمل والتنقل تحت المجهر، في لحظة تحولت فيها القيود الأمنية إلى أزمة معيشية مفتوحة.

وتشير بيانات أممية ودولية حديثة إلى أن القيود المفروضة بعد أكتوبر 2023 كانت لها آثار حادة على العمال الفلسطينيين. فقد أوضحت منظمة العمل الدولية أن إلغاء أو تعليق تصاريح العمل بعد ذلك التاريخ فاقم أزمة سبل العيش في الضفة الغربية، بينما أظهر البنك الدولي أن عدد العاملين الفلسطينيين المسموح لهم بالعمل داخل الاقتصاد الإسرائيلي هبط بصورة حادة في الربع الأخير من 2023 إلى نحو 24 ألفًا فقط بعد أن كانت الأعداد أكبر بكثير قبل الحرب. كما وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن غالبية التصاريح الممنوحة للفلسطينيين للوصول إلى القدس الشرقية وإسرائيل جرى تعليقها أو سحبها منذ 7 أكتوبر 2023.

أرقام تشرح خلفية القصة

  • المهرجان: الدورة 24 من المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون أقيمت في تونس من 26 إلى 29 يونيو 2024.
  • الجهة المنظمة: اتحاد إذاعات الدول العربية بالشراكة مع وزارة الشؤون الثقافية التونسية والإذاعة والتلفزة التونسيتين وعرب سات.
  • شعار الدورة: «نصرة فلسطين».
  • موضوع الوثائقي: معاناة العمال الفلسطينيين ومحاولات العبور إلى أماكن العمل رغم تشديد القيود.
  • الخلفية الاقتصادية: البنك الدولي تحدث عن تراجع حاد في أعداد العمال الفلسطينيين المسموح لهم بالعمل داخل إسرائيل بعد أكتوبر 2023.

لماذا يهم هذا الفوز؟

في المشهد الإعلامي العربي، كثيرًا ما تحظى الأخبار العاجلة بالاهتمام الأكبر، لكن تتويج فيلم وثائقي من هذا النوع يلفت الانتباه إلى قيمة الصحافة البصرية الطويلة القادرة على تقديم ما وراء العناوين. فبدل التركيز على الحدث المجرد، ينقل الوثائقي أثر السياسات والقرارات على الحياة اليومية، وهي نقطة تجعل العمل أقرب إلى الجمهور العربي، ومنه القارئ المصري، الذي يتابع تطورات القضية الفلسطينية ليس فقط بوصفها ملفًا سياسيًا، بل أيضًا كقضية إنسانية واجتماعية ممتدة.

كما أن اختيار فئة مخصصة لفلسطين داخل المهرجان يعكس موقع القضية في أجندة المؤسسات الإعلامية العربية خلال العامين الأخيرين، خصوصًا مع اتساع مساحة التغطيات التي تمزج بين الخبر الميداني والتحقيقات والوثائقيات.

المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون.. منصة لتتويج المحتوى السمعي البصري

يُعد المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز التجمعات المهنية للإعلاميين وصناع المحتوى التلفزيوني والإذاعي في المنطقة. ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن اتحاد إذاعات الدول العربية، فإن دورة 2024 جمعت مسابقات مهنية وبرامج موازية وفعاليات تكريم، واختتمت مساء 29 يونيو 2024 بتوزيع الجوائز على الفائزين في مختلف الفئات.

ومن الناحية الرمزية، جاء تنظيم الدورة في تونس مع تثبيت شعار «نصرة فلسطين» في الهوية البصرية للمهرجان نفسه، إذ أشار الاتحاد إلى دمج ألوان العلم الفلسطيني والكوفية الفلسطينية في الشعار الرسمي للدورة. هذه التفاصيل منحت الجوائز المرتبطة بفلسطين وزنًا إضافيًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بعمل يوثق تحولات قاسية يعيشها الناس على الأرض.

بين التوثيق والواقع: قصة أكبر من جائزة

ما يمنح «فلسطين ما وراء الجدار» ثقله الحقيقي ليس فقط فوزه بجائزة عربية، بل توقيته أيضًا. فالوثائقي يأتي في مرحلة ما زالت فيها الضفة الغربية تواجه تراجعًا اقتصاديًا وضغوطًا على الحركة والعمل. وقد أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقارير لاحقة إلى سقوط قتلى وجرحى بين فلسطينيين حاولوا تجاوز العوائق للوصول إلى أماكن عملهم، وهو ما يكشف أن القضية التي تناولها الفيلم لم تكن حالة عابرة، بل جزءًا من واقع مستمر.

ومن منظور فني وإعلامي، فإن الأعمال الوثائقية التي تنجح في الجمع بين الحس الإنساني والدقة الميدانية غالبًا ما تحظى بعمر أطول من الخبر اليومي. لذلك يبدو هذا التتويج بمثابة اعتراف بقيمة السرد الوثائقي في تناول ملفات المنطقة المعقدة، وبقدرة الصورة على نقل ما قد تعجز عنه الأرقام وحدها.

قراءة مصرية لخبر عالمي

بالنسبة إلى جمهور «فن عالمي» في مصر، يحمل هذا الخبر أكثر من بعد. فهو من ناحية يتعلق بإنتاج إعلامي دولي فاز في مهرجان عربي بارز، ومن ناحية أخرى يسلط الضوء على كيف تتحول القضايا السياسية والاقتصادية إلى مادة وثائقية مؤثرة تتجاوز حدود النشرات الإخبارية. وفي زمن تتنافس فيه المنصات على لفت الانتباه بالمحتوى السريع، يثبت هذا النوع من الأفلام أن الوثائقي الجاد ما زال قادرًا على الحضور، وعلى حصد التقدير أيضًا.

وفي المحصلة، يرسخ فوز «فلسطين ما وراء الجدار» مكانة الوثائقيات العربية والدولية التي تتناول فلسطين من منظور إنساني موثق، ويؤكد أن الجوائز الأهم ليست دائمًا تلك التي تذهب إلى الأعمال الأكثر صخبًا، بل أحيانًا إلى الأعمال التي تنجح في جعل المشاهد يرى ما يحدث خلف الجدران، حرفيًا ومجازيًا.