المازيكاتي

يوتيوب ونتفليكس: صراع محتدم على نجوم المحتوى والشاشة

منصة الفيديو تريد النجوم.. ومنصة البث تريد جمهورهم

المنافسة بين YouTube وNetflix لم تعد تدور فقط حول وقت المشاهدة، بل انتقلت بوضوح إلى معركة على الأسماء القادرة على جذب الجمهور من الهاتف إلى شاشة التلفزيون. في قلب هذه المواجهة يقف كبار صناع المحتوى الذين تحولوا خلال سنوات قليلة من مؤثرين على الإنترنت إلى علامات ترفيهية قادرة على إنتاج برامج ومسلسلات ومواد واقعية تحصد ملايين المشاهدات.

هذه المعادلة تهم جمهور السينما والدراما في مصر تحديدًا، لأن ما يحدث عالميًا ينعكس سريعًا على شكل الصناعة محليًا: من يملك النجم الرقمي، يملك فرصة أكبر لصناعة برنامج ناجح، أو مسلسل واقعي، أو حتى مشروع درامي مبني على قاعدة جماهيرية جاهزة.

يوتيوب يتمسك بصناعه.. بالأرقام والحوافز

يوتيوب، بقيادة نيل موهان، الرئيس التنفيذي للمنصة، يتعامل مع الملف باعتباره مسألة استراتيجية لا مجرد تطوير في أدوات النشر. ففي رسالته السنوية مطلع 21 يناير 2026، أكد موهان أن المنصة تريد أن تظل “أفضل مكان” لبناء أعمال مستدامة للمبدعين، مشيرًا إلى أن يوتيوب دفع أكثر من 100 مليار دولار للمبدعين والفنانين وشركات الإعلام خلال آخر أربع سنوات، وهي إشارة مباشرة إلى حجم الرهان المالي على اقتصاد المبدعين.

ولم يتوقف الأمر عند التصريحات. ففي 13 مايو 2026، كشفت المنصة خلال Brandcast عن مجموعة Creator Shows جديدة وحصرية لنجوم من عالم الإنترنت، في خطوة تعني أن يوتيوب لا يريد الاكتفاء بدور منصة توزيع، بل يسعى أيضًا للتموضع كجهة تطوير وإطلاق لأعمال ترفيهية تشبه في بنائها عروض التلفزيون ومنصات البث.

ثم جاء تحديث برنامج الشراكة في 10 أغسطس 2026 ليؤكد الاتجاه نفسه؛ إذ أعلن يوتيوب توسيع فرص الربح عبر برامج حوافز جديدة مرتبطة بالنمو والتفاعل والصفقات الإعلانية والتجارة داخل المنصة، وليس فقط الإعلانات التقليدية. كما أشار إلى أن المنصة تسجل أكثر من 200 مليار مشاهدة يومية لمقاطع Shorts وأكثر من مليار ساعة مشاهدة يوميًا على شاشات التلفزيون. هذه الأرقام تشرح لماذا لا يريد يوتيوب خسارة الأسماء الكبيرة لصالح منافس مثل نتفليكس.

نتفليكس تفتح الباب لنجوم الإنترنت

في المقابل، لا تتحرك نتفليكس بوصفها متفرجًا على صعود المبدعين الرقميين. المنصة تتوسع بوضوح في استقطاب شخصيات صنعت شهرتها أولًا عبر الإنترنت، ثم أعادت تقديمها في قوالب أقرب إلى التلفزيون الواقعي والبرامج الترفيهية والمواد غير الروائية.

أحد أوضح الأمثلة هو نجاح مجموعة The Sidemen، وهي من أكبر مجموعات يوتيوب في بريطانيا. عبر موقعها الرسمي، تشير المجموعة إلى امتلاكها أكثر من 100 مليون متابع ومليارات المشاهدات. نتفليكس التقطت هذه القوة الجماهيرية ونقلتها إلى منصتها من خلال برنامج Inside.

وبحسب منصة Tudum التابعة لنتفليكس، انطلق الموسم الثاني من Inside في 18 مارس 2025، مع طرح حلقات يومية حتى 23 مارس 2025. البرنامج يضع 10 من صناع المحتوى تحت سقف واحد في تحديات تمتد أسبوعًا كاملًا، مع جائزة تصل إلى مليون دولار. والأهم أن نتفليكس وصفت الموسم الثاني بأنه حصري على نتفليكس، بينما تحدثت أيضًا عن نسخة أمريكية لاحقة، بما يعكس رغبة المنصة في تحويل نجاح صناع يوتيوب إلى امتياز ترفيهي عابر للأسواق.

هذا النموذج مهم لأنه يوضح شكل المنافسة الجديدة: ليس فقط شراء محتوى جاهز، بل استيعاب نجوم الإنترنت داخل منظومة نتفليكس الإنتاجية، ومنحهم مساحة تتوافق مع طبيعة المشاهدة على الشاشات الكبيرة.

لماذا أصبحت المعركة أقرب إلى “السينما والدراما”؟

قد يبدو الملف للوهلة الأولى مرتبطًا بعالم السوشيال ميديا، لكنه في الحقيقة يلامس جوهر قسم السينما والدراما. السبب أن المنصات باتت تتعامل مع صناع المحتوى باعتبارهم مادة خام لصناعة نجوم جدد، يمكن البناء عليهم في برامج الواقع، والسلاسل الوثائقية، والعروض الكوميدية، بل وحتى الأعمال الدرامية لاحقًا.

يوتيوب نفسه يتحدث اليوم عن “صناع المحتوى بوصفهم برايم تايم جديدًا”، وهي عبارة تتسق مع أرقام المشاهدة على التلفزيون. ووفق بيانات Nielsen المنشورة في 25 يونيو 2026 عن أداء أبريل 2026، حافظ يوتيوب على صدارة موزعي المحتوى في الولايات المتحدة بحصة 13.4% من إجمالي وقت مشاهدة التلفزيون في ذلك الشهر. هذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأن مشاهدة محتوى يوتيوب لم تعد محصورة في الهاتف، بل انتقلت بقوة إلى غرفة المعيشة، وهي المساحة نفسها التي تتحرك فيها نتفليكس تاريخيًا.

من هنا، تتحول المنافسة من “منصة فيديو” ضد “منصة اشتراك” إلى صراع على من يصنع نجم الشاشة القادم. وفي عالم الترفيه، هذه مسألة إنتاج وتطوير نجوم بقدر ما هي مسألة تقنية وتوزيع.

يوتيوب يفضّل الإبقاء عليهم.. ونتفليكس تعرض الترقية

المثير هنا أن المنصتين تقدمان عرضين مختلفين للمبدع نفسه. يوتيوب يقول لصانع المحتوى: ابقَ هنا، وسنمنحك أدوات ربح أوسع، وصفقات علامات تجارية أسهل، وتجارب حصرية، وفرصًا لبناء شركة إعلامية خاصة بك. أما نتفليكس فتقول: تعال إلينا، وسنمنحك ترقية في الصورة والتمويل والانتشار داخل بيئة ترفيهية أكثر قربًا من التلفزيون والبرامج ذات القيمة الإنتاجية الأعلى.

ولهذا نرى يوتيوب يوسّع برامج الحوافز، ويطوّر أدوات صفقات العلامات التجارية، ويطلق عروضًا حصرية لبعض الأسماء. وفي المقابل، تواصل نتفليكس توقيع شراكات حصرية مع مبدعين ومنتجين قادمين من فضاء الإنترنت؛ من ذلك اتفاقها متعدد السنوات مع المنتجة اليابانية MEGUMI في 16 فبراير 2026 لإنتاج أعمال غير روائية حصرية للمنصة.

ما الذي يعنيه ذلك للمشاهد في مصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، هذه التحولات ليست بعيدة. السوق المحلي يتابع بالفعل تنامي شعبية الأعمال القصيرة، والبرامج الواقعية، والمحتوى القائم على الشخصية أكثر من اعتماده على الشكل التقليدي للنجومية. وإذا استمرت المنصات العالمية في ضخ الأموال نحو نجوم الإنترنت، فمن المرجح أن نرى مزيدًا من المشاريع التي تمزج بين منطق السوشيال ميديا وحرفية الإنتاج الدرامي والتلفزيوني.

كما أن هذا السباق يرفع سقف التوقعات لدى الجمهور: الصورة يجب أن تكون أفضل، والإيقاع أسرع، وفكرة البرنامج أكثر وضوحًا، والشخصية الرئيسية قادرة على حمل العمل منفردة. وهي معايير أصبحت تؤثر بدورها في كيفية تطوير البرامج والمسلسلات الوثائقية وغير الروائية التي تجد طريقها إلى الجمهور العربي.

من يكسب الجولة الحالية؟

الإجابة الأدق أن كِلا الطرفين يربحان، لكن بطرق مختلفة. يوتيوب ما زال يملك البنية الأوسع لاكتشاف النجوم وصناعة الجمهور الأولي، ويستند إلى منظومة دفع وحوافز ضخمة ومتعددة المسارات. أما نتفليكس فتتفوق حين يتعلق الأمر بتحويل بعض هؤلاء إلى منتج ترفيهي أكثر صقلًا وقابلية للتسويق عالميًا.

ومع استمرار يوتيوب في تقديم عروض حصرية وحوافز مالية، وتوسّع نتفليكس في استقطاب نجوم الإنترنت إلى برامجها وعلاماتها الأصلية، يبدو أن معركة 2026 لن تكون الأخيرة. بل ربما تكون فقط بداية مرحلة جديدة يصبح فيها صانع المحتوى الرقمي هو بطل الشاشة المقبل، سواء ظهر أولًا على يوتيوب أو عبر عمل حصري على نتفليكس.

  • الخلاصة: الصراع لم يعد على المحتوى فقط، بل على الموهبة نفسها.
  • الرابح الأكبر: المشاهد، الذي يحصل على أعمال أكثر تطورًا تجمع بين سرعة الإنترنت وجودة الإنتاج.
  • الرهان الحقيقي: من ينجح في تحويل الشعبية الرقمية إلى ترفيه طويل العمر داخل عالم السينما والدراما.