49 فيلمًا في «إثراء»: كيف يقرأ المصريون الدورة 12؟
انطلاقة تحمل معنى أبعد من الافتتاح
من الظهران، وبين 26 يونيو و2 يوليو 2026، بدأت الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، بتنظيم من جمعية السينما وبالشراكة مع «إثراء» وبدعم من هيئة الأفلام التابعة لوزارة الثقافة السعودية. وبالنسبة إلى القارئ المصري، لا تبدو هذه الانطلاقة مجرد موعد خليجي جديد على أجندة المهرجانات، بل محطة تكشف كيف تتحول السينما السعودية والخليجية إلى شريك فعلي في الخريطة العربية، ليس فقط عبر العروض، بل أيضًا عبر الصناعة والتمويل وبناء الشبكات المهنية.
الرقم الأبرز هذا العام هو 49 فيلمًا ضمن برامج المهرجان المختلفة، موزعة على 6 أفلام روائية طويلة و13 فيلمًا قصيرًا و7 أفلام وثائقية و8 أفلام ضمن برنامج «سينما الرحلة»، إلى جانب 6 أفلام في العروض الموازية و9 أفلام كورية. هذا التنوع لا يقدّم فقط شاشة مزدحمة، بل يقدّم تصورًا واضحًا لهوية المهرجان في 2026: منصة خليجية بامتداد عربي وانفتاح دولي.
لماذا يهم هذا الحدث الجمهور المصري؟
في مصر، يرتبط الاهتمام بالمهرجانات العربية عادة بما تضيفه إلى حركة المشاهدة والنقد وسوق العمل السينمائي. ومن هذه الزاوية، يقدّم مهرجان أفلام السعودية مادة ثرية. فالمهرجان، بحسب تعريفه الرسمي، لا يقتصر على عروض الأفلام، بل يجمع بين الورش التدريبية والندوات الثقافية والدروس المتقدمة وسوق الإنتاج ومسابقة المشاريع. هذا يعني أن المتابع المصري أمام تجربة تشبه، في منطقها الصناعي، ما يبحث عنه صناع الأفلام العرب اليوم: كيف تتحول الفكرة إلى مشروع قابل للإنتاج والتوزيع؟
الجواب هنا حاضر في شعار الدورة: «كل حكاية رحلة». وهو شعار لا يكتفي بالبعد الجمالي أو السردي، بل يعكس أيضًا رحلة الفيلم نفسه من الورق إلى الشاشة. وهذه نقطة يلتقطها الجمهور المصري سريعًا، لأن سوق السينما في المنطقة لم يعد قائمًا على الفيلم بوصفه منتجًا فنيًا فقط، بل بوصفه مشروعًا عابرًا للحدود، يحتاج إلى تمويل وشركاء ومنصات عرض ودوائر ترويج.
49 فيلمًا... خريطة مشاهدة تكشف تحولات المنطقة
عندما ينظر القارئ المصري إلى قائمة المشاركة، سيجد أن المهرجان لا ينغلق على الداخل السعودي، رغم وضوح مركزية التجربة المحلية. في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة وحدها، تبرز أعمال من السعودية والخليج والعالم العربي، من بينها «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«ربشة» لمحمد مكي، و«باب» للمخرجة الإماراتية نايلة الخاجة، و«إركالا.. حلم كلكامش» للعراقي محمد الدراجي، و«سعود وينه» للمخرج القطري محمد الإبراهيم، والذي يقدَّم بوصفه عرضًا عالميًا أول. هذه الأسماء تكشف أن المهرجان يشتغل كنافذة تجمع الخليج بالمشرق العربي داخل برنامج واحد، لا كدوائر منفصلة.
ومن زاوية المشاهدة، فهذا مهم جدًا للمصريين. فالمتلقي في القاهرة أو الإسكندرية أو الجونة لم يعد يكتفي بموسم محلي أو مهرجان دولي كبير، بل بات مهتمًا بمتابعة أين تتجه السينما العربية الجديدة، ومن يقدّم اللغة البصرية الأكثر جرأة، وأي بيئات إنتاج تنجح في استقطاب أصوات مختلفة. وهنا بالضبط يقدّم مهرجان أفلام السعودية نفسه باعتباره مختبرًا عربيًا لا مجرد فعالية احتفالية.
سوق الإنتاج: النقطة التي تغيّر معنى المهرجان
أكثر ما يلفت الانتباه في الدورة الثانية عشرة، من منظور صحفي وصناعي، هو استمرار التركيز على سوق الإنتاج. الموقع الرسمي للمهرجان يصفه بأنه منصة تواصل تجمع المبدعين والمنتجين والمستثمرين لتطوير المشاريع السينمائية ودعم إنتاجها. وبحسب التغطيات المنشورة قبل الانطلاق، تتنافس 6 مشاريع في سوق إنتاج الأفلام الطويلة ضمن برامج الدورة الحالية.
هذه النقطة تحديدًا هي ما يجعل الخبر ذا صدى خاص في مصر. لأن سوق الإنتاج ليس تفصيلة جانبية، بل هو المكان الذي تتشكل فيه الشراكات المقبلة، وتبدأ فيه فرص الإنتاج المشترك العربي. وفي لحظة تبحث فيها السينما المصرية نفسها عن صيغ أوسع للتعاون الإقليمي، تبدو السوق السعودية ـ الخليجية اليوم واحدة من المساحات الأكثر نشاطًا، سواء على مستوى التطوير أو الدعم أو الوصول إلى جمهور جديد.
كما أن الموقع الرسمي يبرز برنامج «نافذة أولى» بوصفه مساحة لعرض المشاريع السينمائية في مراحل التطوير أو الإنتاج أو ما بعد الإنتاج. وبالنسبة إلى صناع الأفلام الشباب في العالم العربي، هذه النوعية من البرامج تساوي عمليًا مساحة اختبار مبكر للمشروع، وفرصة لمقابلة منتجين وخبراء وممولين قبل الوصول إلى النسخة النهائية.
هيفاء المنصور... تكريم يختصر لحظة سعودية كاملة
من أكثر الوقائع دلالة في دورة 2026 تكريم المخرجة هيفاء المنصور. فبحسب وكالة الأنباء السعودية، يكرّم المهرجان هذا العام هيفاء المنصور تقديرًا لمسيرتها السينمائية وإسهاماتها في إثراء المشهد السينمائي السعودي وإيصاله إلى المنصات الثقافية والفنية العالمية. وبالنسبة إلى القارئ المصري، الاسم ليس عابرًا: هيفاء المنصور درست الأدب المقارن في الجامعة الأمريكية بالقاهرة قبل أن تصبح أحد أبرز الوجوه السعودية المعروفة عالميًا.
لهذا يبدو التكريم ذكيًا ومعبّرًا. فهو لا يحتفي فقط بمخرجة ناجحة، بل بجيل كامل انتقل بالسينما السعودية من خانة «الاستثناء» إلى خانة «الحضور المستمر». ومع هذا النوع من التكريم، يرسل المهرجان رسالة واضحة: أن الصناعة الجديدة تحتاج إلى ذاكرة ورواد بقدر حاجتها إلى الأسماء الصاعدة.
من الخليج إلى العالم العربي: كيف تُقرأ الرسالة في مصر؟
القراءة المصرية الأهم لانطلاق الدورة الثانية عشرة هي أن السينما الخليجية لم تعد هامشًا في المشهد العربي. فحين يستقبل مهرجان واحد هذا العدد من الأفلام، ويجمع بين مسابقات رسمية وبرامج دولية وتركيز خاص هذا العام على السينما الكورية، ويستضيف سوقًا للإنتاج وبرامج مهنية، فهو يعلن نفسه لاعبًا حقيقيًا في بنية الثقافة السينمائية العربية.
المسألة هنا لا تتعلق بالمنافسة مع مهرجانات عربية أخرى بقدر ما تتعلق بإعادة توزيع الأدوار. القاهرة ستظل مركزًا تاريخيًا للسينما العربية، لكن المشهد في 2026 يقول أيضًا إن الظهران، عبر «إثراء» ومهرجان أفلام السعودية، أصبحت عنوانًا مهمًا لمرحلة جديدة: مرحلة صناعة الأفلام بوصفها حوارًا عربيًا مفتوحًا بين التمويل والموهبة والسوق والجمهور.
ومن هنا يمكن فهم انجذاب المتابع المصري لهذا الحدث. فهو يقدّم له فرصة لقراءة ما يحدث في الجوار الخليجي ليس كخبر ثقافي بعيد، بل كجزء من تحولات أوسع في السينما العربية. هناك أفلام جديدة، وأسماء من السعودية والإمارات وقطر والعراق، وهناك برامج مهنية تخلق دوائر تعاون محتملة، وهناك جمهور عربي بات أكثر فضولًا تجاه قصص المنطقة حين تُروى بلغاتها ولهجاتها وتجاربها المختلفة.
الخلاصة: مهرجان يراهن على ما بعد الشاشة
إذا كان السؤال هو: كيف يقرأ الجمهور المصري انطلاق الدورة الـ12 من مهرجان أفلام السعودية في «إثراء»؟ فالإجابة الأقرب هي أنه يقرأها بوصفها علامة نضج. نضج في البرمجة، وفي توسيع المجال من الخليج إلى العالم العربي، وفي فهم أن نجاح أي مهرجان اليوم لا يُقاس بعدد الضيوف فقط، بل بقدرته على ربط العرض بـالصناعة، وربط الحكاية بـالمشروع.
وبوجود 49 فيلمًا، وتكريم هيفاء المنصور، وسوق إنتاج يفتح الباب أمام مشاريع جديدة، تبدو الدورة الثانية عشرة أكثر من مناسبة سينمائية؛ إنها رسالة تقول إن السينما السعودية تتحرك بثقة داخل الإقليم، وإن الجمهور العربي، ومنه المصري، صار يتابع هذا التحول بعين نقدية وفضول حقيقي وانتظار لما ستنتجه هذه الرحلة بعد انتهاء المهرجان نفسه.